الخميس، 4 يونيو 2026

توارد الخواطر المشروع في الأعمال الدرامية التي حملت عنوان الجانب الآخر

 

توارد الخواطر المشروع في الأعمال الدرامية التي حملت عنوان

الجانب الآخر

 

الجانب الآخر من الشاطئ  ، الجانب الآخر من الريح ، الجانب الآخر من الشمس ، الجانب الآخر من القمر ، الجانب الآخر من الباب ، الجانب الآخر من السياج ، الجانب الآخر من الجزيرة ، الجانب الآخر من منتصف الليل ... الخ ) عناوين لأعمال درامية كثيرة بعنوان ( الجانب الآخر ) وكلها من باب توارد الخواطر المشروع تتحدث عن الجانب الآخر من القيم والأخلاق الإنسانية ، وهي دائما تأتي في محاولة الكتاب لغبر أسرار الحياة والتضاد الكائن فيها فلن يعرف النهار إلا بالليل ولن يعرف الخير إلا بالشر ولن يعرف الصدق إلا بالكذب وهكذا ؛

أما الحديث عن ظاهرة  "توارد الخواطر المشروع" فالمصطلحات الفنية والأدبية غالباً ما تتقاطع لأنها تستقي من منبع إنساني واحد وهو البحث في ثنائيات الوجود.

إن اختيار عنوان "الجانب الآخر" لأعمال درامية يتجاوز كونه مجرد تسمية ليصبح "مظلة فلسفية" تنضوي تحتها معالجات فنية متنوعة تسعى لخلخلة القناعات الراسخة لدى المشاهد.

فلماذا يستهوي هذا العنوان صناع الدراما ؟

·         كسر الأحكام المسبقة : الدراما التي تحمل هذا العنوان غالباً ما تضع المشاهد في مواجهة "الآخر" الذي صنفه المجتمع كـ "شرير" أو "خارج عن القواعد"، لتعيد تقديمه كإنسان له دوافعه وظروفه وربما قيمه الخاصة التي لم نكن نراها.

·         ثنائية الظاهر والباطن : العنوان بحد ذاته يوحي بوجود وجهة نظر مخفية. أو هو دعوة للمشاهد ليغادر منطقة "السهل الممتنع" في الحكم على الأمور وينتقل إلى المنطقة الرمادية حيث تكمن تعقيدات النفس البشرية.

·         المرآة العاكسة : في كثير من هذه الأعمال، لا يكون "الجانب الآخر" مكاناً أو شخصاً مختلفاً، بل هو "الجانب المظلم" أو "المسكوت عنه" في شخصية البطل نفسه  مما يحول العمل إلى رحلة في أعماق الذات.

كيف تتناول هذه الأعمال القيم والأخلاق؟

عادة ما تتبع هذه الأعمال استراتيجيات درامية لقلب المفاهيم منها :

1.     النسبية الأخلاقية : حيث تطرح الأسئلة الصعبة هل الخير مطلق؟ وهل الشر دائماً محض افتراض ؟ هذه الدراما غالباً ما تظهر أن ما نعتبره "خطيئة" في جانب معين قد يكون "ضرورة بقاء" في جانب آخر.

2.     أنسنة "الشيطان"  : بمعني أننا لم نر الشيطان صراحة ولكننا رأينا إنسانا في صورة شيطان في بعض الأعمال نكتشف أن الشخصية التي تبدو منحرفة أخلاقياً هي التي تلتزم بـ "شفرة أخلاقية" أكثر صرامة من الشخصيات التي تظهر بمظهر النزاهة في الظاهر.

3.     النقد الاجتماعي : استخدام "الجانب الآخر" لتعرية زيف القيم التي يتمسك بها المجتمع حيث يتم تصوير الانصياع الأعمى للعادات والتقاليد كقيمة سلبية بينما قد ينظر للخروج عنها كفعل تحرري وأخلاقي.

نأتي للجانب الجمالي للعنوان

إن عبارة "الجانب الآخر" عادة تثير فضولا فطريا لدى المتلقي فالإنسان بطبعه مهووس باكتشاف ما وراء الستار. لذا يظل هذا العنوان "ورقة رابحة" للمؤلفين، لأنه يضع المشاهد في حالة تأهب ذهني منذ لحظة الإعلان عن العمل.

هل تعتقد أن كثرة الأعمال التي تحمل هذا العنوان قد تفقدها بريقها وتأثيرها على المدى البعيد، أم أن تعدد الزوايا الفلسفية يجدد من قيمتها في كل مرة؟

للإجابة علي هذا التساؤل نأتي إلي نماذج لأسماء وعناوين أعمال درامية سلكت نفس المنهج في تاريخ المسرح المصري والعربي ؛

في تاريخ المسرح والدراما العربية لا تقتصر ظاهرة "الجانب الآخر" على العناوين المباشرة فقط، بل تمتد لتشمل الأعمال التي اعتمدت منهج "كشف القناع" و"ثنائية المتناقضات". المسرح المصري والعربي تحديداً برع في تفكيك القيم والأخلاق من خلال وضع الشخصيات أمام مراياها العاكسة .

في  المسرح المصري (أدب "الوجه الآخر") :

استخدم المسرح المصري خاصة في الستينيات والسبعينيات الدراما لتفكيك القيم السائدة منها :

"سكة السلامة" (سعد الدين وهبة):

فيقوم منهج هذه المسرحية حيث  يمثل هذا العمل "الجانب الآخر" في أنقى صوره حيث تضطر مجموعة من البشر الذين يعتقدون أنهم "أخيار ومستقيمون" إلى مواجهة حقيقتهم داخل حافلة تائهة في الصحراء فنجد العمل يغوص في الجانب المظلم من الأخلاق التي تنهار عندما يغيب الرقيب الاجتماعي.

أما في مسرحية "الزير سالم" (ألفريد فرج) فيقوم المنهج: هنا علي تناول "الجانب الآخر" للبطولة الملحمية فلا يقدم البطل كنموذج للمثالية بل يكشف الوجه العبثي والمدمر للقيم القبلية القائمة على الثأر مما يجعلنا نرى البطولة من زاوية إنسانية مدانة.

بينما نجد في "خلوصي أفندي" أو أعمال يوسف إدريس المسرحية أن المنهج كثيراً ما كان يقوم عند  إدريس ينبش في "الجانب الآخر" من النفس المصرية ويكشف عن التناقضات الحادة بين التدين الظاهري والممارسة اليومية محولاً المسرح إلى مختبر أخلاقي.

ومن الأعمال التيليفزيونية الشهيرة وفي مسلسل "الوجه الآخر" نجد أن هذا النوع من الدراما الحديثة  يعتمد على التلاعب بالقيم حيث يظهر البطل في البداية كنموذج للنجاح الأخلاقي والعملي، ثم ننتقل لنرى "الجانب الآخر" من حياته (الجرائم، الأسرار، الطمع)، مما يضع المشاهد في صدمة قيمية.

وهناك أعمالا لم تحمل اسم الجانب الآخر صراحة لكنها تبنت فكرته الجوهرية مثل ليالي الحلمية ورأفت الهجان

هذه الأعمال لا تقدم "درساً أخلاقياً" مباشراً، بل تتبع منهج "التشكيك المنهجي" في يقينيات المشاهد:

بزعزعة المسلمات  فتجعلك تتساءل: هل كنت سأفعل الشيء نفسه لو كنت مكان هذا الشرير؟

أو بتعددية الرؤية  فتدرك أن "الحقيقة" ليست قطعة واحدة بل هي زوايا نظر (الجانب الخاص بي الجانب الآخر للآخر والجانب الحقيقي الذي يقع في المنتصف).

إن هذه الأعمال تظل حية في الذاكرة لأنها ترفض "التسطيح"، وتصر دائماً على أن الإنسان -في جوهره- مزيج معقد من النور والظلام وكل عمل منها هو محاولة لإضاءة زاوية لم نكن نلحظها في ذواتنا أو في محيطنا.

 

 

 

الجمعة، 22 مايو 2026

تراجع النص المسرحي لصالح الرؤية الإخراجية

 

في المسرح المصري المعاصر

تراجع النص لصالح الرؤية الإخراجية

هل هي سطوة المخرج؟

نعم، هناك شعور حقيقي بتراجع النص "الأدبي" في كثير من التجارب المعاصرة لصالح ما يُعرف بـ "سينوغرافيا العرض" أو "مسرح المخرج  ". المخرج لم يعد مجرد وسيط ينقل نص المؤلف إلى الخشبة بل أصبح "المؤلف الثاني" أو المؤلف الفعلي للعرض. في بعض الأحيان، يتم التعامل مع النص كـ "مادة خام" أو مجرد ذريعة لإطلاق رؤية بصرية صاخبة، مما جعل النص يتراجع خطوة إلى الوراء ليترك الصدارة للمؤثرات، الإضاءة، الحركة، والمؤثرات الصوتية.

وبسبب طغيان الصورة السينمائية والتلفزيونية على مخيلة الكتاب الجدد أصبحنا نرى نصوصاً مسرحية تُكتب بروح "السيناريو" تجد تقطيعاً مشهدياً سريعاً واعتماداً مكثفاً على "الفلاش باك"، وتنقلاً سريعاً بين الأمكنة يصعب تحقيقه على الخشبة إلا بحلول سينوغرافية معقدة والكاتب المعاصر أحياناً ينسى "جماليات الثبات" والعمق الحواري للمسرح، بمعني سقوط أعمدة المسرح الأرسطي المعروفة وحدة الزمان ووحدة المكان وأصبح الكاتب يكتب بعين الكاميرا التي تبحث عن اللقطة السريعة والمونتاج مما يفقد المسرح خصوصيته الحميمية القائمة على المواجهة المباشرة.

ولنا أن نتساءل هل يمكن أن ينجح النص الجيد في المسرح بدون كلام ؟ نعم، بالتأكيد. المسرح ليس مجرد كلام. هناك تاريخ طويل من "المسرح الصامت" (البانتومايم)، ومسرح الجسد، والرقص المسرحي (الكيروجرافيا) الذي استطاع تقديم أطروحات فكرية وفلسفية شديدة العمق دون نطق كلمة واحدة.

والمعيار هنا ليس وجود الحوار من عدمه، بل وجود "الدراما" و"الصراع". إذا استطاعت الصورة والحركة والجسد خلق صراع درامي يهز المشاهد، فإن العرض ينجح ويكون قوياً وعميقاً بامتياز.

ومع هذا تكمن  خطورة تحول المسرح إلى “فرجة بصرية” فقط  في "تسطيح الوعي" وتحويل المسرح إلى مجرد "سيرك ممتع" أو استعراض مبهر يداعب العين وينتهي أثره بمجرد خروج المتفرج من قاعة العرض. حين يفرغ المسرح من القيمة الفكرية والأدبية، يفقد قدرته على التطهير والتحريض العقلي، ويتحول إلى منتج استهلاكي (Entertainment) يفتقد الروح. الفرجة البصرية مطلوبة، لكنها إن لم تكن خادمة لفكرة أو دلالة، تصبح مجرد "بهرجة مجانية". وقد حدث ذلك كثيرا فيما يسمي بالدراما الحركية التي تحولت إلي حركات وإيقاعات متشنجة تميل إلي الحركة العنيفة في أغلب الأحيان تقليدا مسطحا لبعض التجارب الغربية

وبرغم كل شيء يبقي للحوار المسرحي سحره وتأثيره؟ فما زال، وسيبقى. السحر يحدث عندما تنطلق الكلمة لتخترق الصمت في الصالة عندما يصاغ الموقف بجملة حوارية مكثفة تشبه الطلقة وتكمن قوة الحوار المسرحي في أنه ليس كلاماً عادياً، بل هو "فعل" (Speech Act). المتفرج ما زال يذهب للمسرح لينصت إلى اعترافات الذات الإنسانية إلى المونولوجات الفلسفية التي تشبه مرايا الروح الكلمة على المسرح تحمل طاقة حية لا يمكن للصورة الثابتة أو المتحركة أن تعوضها.

وليس من المتصور أن ننتظر أيهما ينتصر في النهاية  الكلمة أم الصورة؟

فالمسرح الحقيقي لا ينبغي فيه لأحدهما أن ينتصر بإلغاء الآخر لأن الانتصار الحقيقي هو في "الاندماج العضوي" بينهما. فإذا انتصرت الكلمة بشكل مطلق تحول المسرح إلى "راديو" أو قراءة شعرية ممتعة ولكنها تفتقد للحياة والحركة  ، وإذا انتصرت الصورة بشكل مطلق، تحول المسرح إلى "شاشة سينما حية" أو لوحة صامتة بلا روح قد تفقد عمقها الإنساني والفكري.

الخلاصة هي أن المسرح يمر بمرحلة إعادة تعريف لنفسه؛ والنص المسرحي لم يمت، بل هو مطالب اليوم بأن يجدد أدواته ليتعايش مع ثورة الصورة ليكون نصاً يمتلك شعريته وعمقه، وفي نفس الوقت يترك مساحة "للتنفس البصري" على الخشبة. والقضية التي تحتاج إلي حوار أكثر هو لماذا تراجع كتاب الدراما وبخاصة في المسرح ونضب معين كتاب المسرح أو يكاد في الساحة الأدبية المصرية خاصة مع الاتجاه إلي الكسب السريع بالكتابة للمسلسلات والأفلام علي حساب المسرح

 

الأربعاء، 4 مارس 2026

قضية طابا والتحكيم الدولي

 

قضية طابا والتحكيم الدولي

 

عندما يذكر تاريخ تحرير طابا وعودتها للسيادة المصرية لابد وأن يذكر الدكتور مفيد شهاب الدين كواحد من أهم أعضاء اللجنة المصرية التي ترافعت عن تاريخ طابا ومصريتها وتمكنت بفضل علماؤها ومهندسوها من الانتصار لهذه البقعة الغالية من أرض الوطن ، هذا وتُعد قضية طابا (1986-1988) ملحمة دبلوماسية وقانونية مصرية كبرى حيث تشكلت "اللجنة القومية العليا لطابا" من نخبة من كبار القانونيين والجغرافيين والعسكريين والدبلوماسيين.

ومن أبرز أعضاء الفريق القانوني والدبلوماسي المصري أمام هيئة التحكيم الدولية في جنيف كان :

الدكتور نبيل العربي (رئيس الوفد المصري ووكيل الحكومة المصرية أمام المحكمة).والدكتور وحيد رأفت (نائب رئيس حزب الوفد وأحد كبار فقهاء القانون الدولي) والدكتور مفيد شهاب (رئيس قسم القانون الدولي بجامعة القاهرة آنذاك وأحد المحركين الرئيسيين للملف القانوني) والدكتور أحمد صادق القشيري (خبير قانوني دولي) والدكتور جورج أبي صعب: (أستاذ القانون الدولي بجامعة جنيف) والدكتور صلاح عامر (أستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة) والدكتور طلعت الغنيمي (أستاذ القانون الدولي بجامعة الإسكندرية) والدكتور محمد فتحي نجيب (الذي أصبح لاحقاً رئيس المحكمة الدستورية العليا) والمستشار أمين المهدي (رئيس مجلس الدولة الأسبق)

وقد مثل مصر يومها في هيئة التحكيم الدولية (المحكم المصري) الدكتور حامد سلطان الذي كان هو العضو المصري الوحيد داخل "هيئة التحكيم" الخماسية التي أصدرت الحكم ويُلقب بـ "شيخ القانونيين الدوليين".

وقد شارك أيضا عدد من الخبراء الفنيون والجغرافيون والتاريخيون منهم : د. يونان لبيب رزق: (المؤرخ الشهير الذي تولى الجانب التاريخي). ود. يوسف أبو الحجاج (أستاذ الجغرافيا الذي قدم الخرائط الثبوتية). واللواء محسن حمدي (رئيس الجانب المصري في اللجنة العسكرية المشتركة) واللواء عبد الفتاح محسن (رئيس هيئة المساحة العسكرية الأسبق)

وكان يعاون كل هؤلاء طاقما دبلوماسيا شمل الفريق عدداً من السفراء والدبلوماسيين بوزارة الخارجية، منهم  السفير مهاب مقبل والسفير أحمد أبو الخير والسفير وجيه حنفي والسفير محمود سمير سامي.

وبعد معركة قانونية مضنية صدر الحكم التاريخي في 29 سبتمبر 1988 لصالح مصر بأحقيتها في كافة نقاط الخلاف (العلامة 91)، وتم رفع العلم المصري على طابا في 19 مارس 1989.

ومن الكواليس التي جعلت هذا الفريق ينجح في استعادة "آخر حبة رمل". يجب التركيزعلى "مشارطة التحكيم" (الجزء الفني القانوني) ودور د. نبيل العربي و د. يونان لبيب رزق تحديداً:

أولاً: ذكاء "مشارطة التحكيم" فقد كانت هذه الوثيقة هي حجر الزاوية حيث أصر الفريق القانوني المصري (بقيادة د. نبيل العربي) على صياغة سؤال محدد جداً لهيئة التحكيم وهو:

"أين يقع مكان علامات الحدود الدولية المعترف بها بين مصر وفلسطين تحت الانتداب؟"

وقد كان هذا السؤال ذكياً؟ حيث أجبر المحكمة على اختيار مكان واحد من اثنين (إما الموقع الذي تقوله مصر أو الذي تقوله إسرائيل)، ولم يسمح للمحكمة بابتكار "حل وسط" أو تقسيم المنطقة.

هذا وقد تم ربط الحدود بفترة الانتداب (1922-1948)، وهي الفترة التي كانت فيها الخرائط والوثائق البريطانية تؤيد الموقف المصري تماماً. ومن ثم جاءت معركة "العلامة 91" ودور د. يونان لبيب رزق حيث كانت إسرائيل تدعي أن العلامة 91 (المطلة على خليج العقبة) تقع في وادٍ منخفض، بينما أصرت مصر أنها فوق جبل. وكان الدور التاريخي للدكتور يونان لبيب رزق حيث تمكن من استخراج وثائق من الأرشيف البريطاني تعود لعام 1906 (اتفاقية الحدود بين الدولة العثمانية ومصر). وكانت المفاجأة عندما وجد الفريق المصري صوراً قديمة التقطها ضباط بريطانيون لعلامات الحدود تظهر فيها بوضوح بقايا "أعمدة بناء" فوق الجبل، مما دحض الرواية الإسرائيلية بأن العلامة كانت في الوادي.

وجدير بالذكر أن د. نبيل العربي ( نموذج الدبلوماسية الهادئة) هو "المايسترو". تميزت إدارته بالآتي:

  • التنسيق بين التخصصات : فقد نجح العربي في جعل  رجل القانون يفهم لغة الخرائط من الجغرافي، ولغة التحركات العسكرية من اللواء محسن حمدي. وكان اختيار المحكمين الدوليين دوراً كبيرا في اختيار محكمين دوليين محايدين (من فرنسا، سويسرا، والنيوزيلندي الذي ترأس اللجنة)، لضمان عدم انحياز الهيئة.

وقد تم تشكيل هيئة التحكيم الخماسية التي أصدرت الحكم من د. حامد سلطان (مصري) وروث لابيدوث (إسرائيلية - وهي الوحيدة التي عارضت الحكم) وثلاثة قضاة دوليين محايدين (من سويسرا وفرنسا ونيوزيلندا)

عندما صدر الحكم بنتيجة (4 ضد 1) لصالح مصر كان ذلك انتصاراً ساحقاً لأن القضاة المحايدين الثلاثة انضموا بالكامل للموقف المصري.

ومن أذكى وأغرب فصول قضية طابا التي توضح كيف أن "الدهاء الميداني" لا يقل أهمية عن "الدهاء القانوني". حيث حاول الجانب الإسرائيلي إقناع هيئة التحكيم الدولية بأن موقع العلامة 91 (النقطة الحدودية الأخيرة المطلة على خليج العقبة) تقع في منطقة منخفضة قريبة من الشاطئ، وليس فوق جبل "المنطقة المرتقعة" كما كانت تؤكد مصر.

في أثناء المعاينة الميدانية التي قامت بها هيئة التحكيم الدولية لموقع طابا حاول الفنيون الإسرائيليون إيهام المحكمة بوجود بقايا قديمة لعلامة حدودية في الوادي فقاموا بوضع "كتل أسمنتية" في منخفض أرضي وتعمدوا صبها وتغطيتها بالأتربة لتبدو وكأنها تآكلت بفعل الزمن منذ عام 1906. وقد نجح المصريون في كشف حيلتهم حيث كان اللواء محسن حمدي (الذي كان يتمتع بخبرة ميدانية هائلة) لاحظ أن نوع الأسمنت والركام المستخدم حديث ولا يتفق مع التكنولوجيا التي كانت مستخدمة في أوائل القرن العشرين كما أثبت الخبراء المصريون أن السيول في هذه المنطقة كانت لتمحو أي أثر لعلامة في الوادي بينما العلامات الحقيقية توضع دائماً فوق القمم لتكون مرئية ؛

وقد حاول الجانب الإسرائيلي تقديم خرائط بأسماء جغرافية معدلة لبعض الوديان والتلال المحيطة بطابا ليظهر أن الوصف الوارد في اتفاقية 1906 ينطبق على الموقع الذي يختارونه هم ولكن نجح الرد المصري بقيادة الدكتور يوسف أبو الحجاج (الجغرافي الفذ)  في مواجهتهم بخرائط أصلية من الأرشيف البريطاني وأرشيف "دير سانت كاترين" تعود لقرون مضت، تثبت أن الأسماء الجغرافية للمواقع (مثل وادي طابا وجبل المرة) ثابتة تاريخياً ولا تتفق مع الادعاء الإسرائيلي ، وكانت مصر تصر على أن العلامة 91 تقع فوق هضبة مرتفعة. وعندما ذهبت اللجنة للمعاينة لم يجدوا "العمود" الحديدي (لأنه أُزيل عمداً). وبفضل دقة اللواء عبد الفتاح محسن ورجال المساحة العسكرية  استطاعوا تحديد مكان "القاعدة الحجرية" الأصلية للعمود تحت طبقات من الرمال فوق الجبل. وعندما تم الحفر وتدقيق النظر، وُجدت بقايا "خشبية" وحديدية تعود فعلياً لفترة الانتداب البريطاني، وهو ما طابق الصور الفوتوغرافية القديمة التي قدمها الدكتور يونان لبيب رزق.

وقد فشل هذا "الخداع البصري" الميداني  مما جعل هيئة التحكيم الدولية تفقد الثقة في الرواية الفنية الإسرائيلية. وفي حكمها النهائي ذكرت المحكمة صراحة أنها تعتمد الموقع المصري بناءً على:

1.     الواقع الميداني (بقايا القاعدة فوق الجبل).

2.     المنطق الجغرافي (استحالة وضع علامة حدودية في ممر سيل).

وبعد صدور الحكم، رفضت إسرائيل في البداية تسليم "فندق سونستا طابا" وقرية رافي نيلسون السياحية اللذين كانا يقعان في المنطقة المستردة، مما أدى لمفاوضات تكميلية شاقة انتهت بشرائهما وتعويض الجانب الإسرائيلي عنهما لتعود السيادة المصرية كاملة.

لقد تحولت قضية طابا من مجرد "نزاع حدودي" إلى مرجع قانوني دُولي يُدرّس في أكبر الجامعات، وذلك بسبب المبادئ الصارمة والدقيقة التي رسخها الفريق المصري.

الثلاثاء، 10 فبراير 2026

عصر ترامب عالميا هو عصر البلطجة السياسية الدولية

 

عصر ترامب عالميا هو عصر البلطجة السياسية الدولية

 

علي عكس التطور المنطقي للتاريخ والحضارة العالمية تزدهر البلطجة السياسية لتسود العالم وتنهي دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن علي أيدي الولايات المتحدة ورئيسها أكبر بلطجي تولي رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية في التاريخ

شعور قد يعكس قدراً كبيراً من الإحباط الذي يشعر به الكثيرون تجاه المشهد السياسي العالمي الحالي. فإن ما نصفه بـ "البلطجة السياسية" يراه البعض تراجعاً لمفهوم "القانون الدولي" لصالح "قوة الأمر الواقع".

من الناحية التاريخية والسياسية  ويمكننا تحليل هذا الوضع من خلال عدة زوايا لتوضيح المشهد:

أهمها أن  هذه المؤسسات تعاني منذ فترة طويلة من حالة شلل شبه تام بسبب حق الفيتو: الذي تحول من أداة لحفظ التوازن إلى وسيلة لحماية المصالح الخاصة للقوى الكبرى علي حساب القوي الأخري .

ومن ثم تلاحظ انتقائية التنفيذ حيث تُطبق القرارات الدولية بصرامة على دول معينة بينما يتم تجاهلها تماماً عندما تتعلق بلفاء القوى العظمى أو بحلفائها كما حدث تجاه العراق وصدام حسين وعلي النقيض ما حدث ويحدث كل يوم تجاه إسرائيل ونتنياهو .

وقد أدي هذا التحول من "الدبلوماسية" إلى "الإكراه" تاريخياً حيث كان التطور المنطقي للحضارة يتجه نحو "العولمة" والتعاون المشترك لكن ما نراه الآن هو عودة لسياسات القطبية الأحادية أو الصراع الصفري حيث فأصبحت العقوبات الاقتصادية تستخدم كبديل للحروب العسكرية ، وبالتالي يتم تجاوز المنظمات الدولية لاتخاذ قرارات أحادية الجانب

وبغض النظر عن الاسم فإن السياسة الخارجية الأمريكية غالباً ما تتبع مبدأ "الواقعية السياسية"  وهي مدرسة تضع المصلحة القومية فوق أي اعتبارات أخلاقية أو قانونية دولية. هذا التوجه تزايدت حدته مؤخراً، مما جعل القيادة الأمريكية تبدو في نظر الكثيرين وكأنها تتصرف خارج إطار الإجماع العالمي.

فهل نحن أصبحنا أمام نهاية النظام العالمي القديم؟

كثير من المحللين يتفقون علي أن النظام الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية (نظام بريتون وودز والأمم المتحدة) يتآكل بالفعل. نحن نعيش مرحلة انتقالية تتسم بالفوضى، حيث لم يولد بعد نظام جديد يحل محل النظام المتداعي خاصة بعد عربدة القوة المفرطة للاحتلال الصهيوني فيما تبقي من أراضي لفلسطين وغزة وبعد اختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته من مخدعهما في بيته ووطنه وعجز النظام العالمي عن أن يتخذ موقفا إيجابيا من إبادة شعب بأسره وقتل العزل من أبنائه في غزة علي مرأي ومسمع من الجميع وكذلك عجزه عن توفير الحد الأدني من احترام إرادة شعب انتخب مادورو رئيسا لدولة عضو في هذا النظام العالمي .

وكما يعلمنا التاريخ  أن الحضارات تمر بفترات من "الردة" عن القيم الإنسانية قبل أن تعيد تنظيم نفسها بناءً على موازين قوى جديدة إلا أن التطورات المفاجئة يعجز معها المحللون للموقف الراهن عن إدراك أن  القيم الإنسانية يمكن أن تعيد تنظيم نفسها وتعدل من مسارات فرض الأمر الواقع بالقوة العسكرية وهو تصور لفلسفة الصراع الفلسفي والسياسي في عصرنا الحالي فالإجابة ليست وردية تماماً لكنها ليست مستحيلة ؛

فالمحللون ينقسمون في رؤيتهم لكيفية استعادة "القيم الإنسانية" لمكانتها أمام "قوة السلاح" إلى مدرستين أساسيتين

1. مدرسة "التصحيح عبر الأزمات الكبرى" وهي ما أطلقت عليها هيلاري كلينتون الفوضي الخلاقة حيث يعتقد أصحاب هذا الرأي أن النظام العالمي لا يتغير "طواعية" بناءً على الأخلاق، بل نتيجة لصدمات كبرى تجعل الاستمرار في سياسة القوة أمراً مكلفاً للغاية. فإن استنزاف القوة العسكرية المفرطة والبلطجة السياسية تؤدي في النهاية إلى "توسع إمبراطوري زائد" حيث تعجز الدولة القوية عن تحمل تكاليف حروبها وصورتها الذهنية المهزوزة مما يجبرها على العودة لطاولة المفاوضات والقانون الدولي كما حدث في فيتنام وأفغانستان . وبالتالي نهوض الأقطاب البديلة  فيرى البعض أن تعدد القوى (عالم متعدد الأقطاب) قد يخلق نوعاً من التوازن يمنع استفراد "بلطجي" واحد بالقرار مما يعيد للقانون الدولي قيمته كوسيلة لحل النزاعات بدلاً من الصدام المباشر.

2. مدرسة "القوة الناعمة والمقاومة المدنية"

هناك تيار يرى أن القيم الإنسانية تعيد تنظيم نفسها من الأسفل إلى الأعلى وليس من الرؤساء إلى الشعوب انطلاقا من سلطة الرأي العام العالمي بفضل التكنولوجيا، فلم يعد بإمكان القوى العسكرية إخفاء جرائمها. وأصبح الضغط الشعبي العالمي قادراً على محاصرة الحكومات سياسياً واقتصادياً (كما نرى في حركات المقاطعة والاحتجاجات الدولية). وفي هذا السياق قد تقع محاولات جمعية من القوي الضعيفة عسكريا وسياسيا ولكنهاتسعي إلي حماية مستقبلها في إطار ( أنسنة السياسة)  هناك محاولات لتدويل مفاهيم مثل المسؤولية عن الحماية" أو محاكمة مجرمي الحرب، وهي أدوات، رغم ضعفها الحالي إلا أنها قد  تمثل "بذوراً" لنظام قادم يحاسب القوي قبل الضعيف.

ويكمن التحدي الكبير فيما يراه المحللون الواقعيون الذين يحذرون من أن "الحق الذي لا تسنده قوة.. ضائع". لذا، فإن إعادة تنظيم القيم لمسار التاريخ تتطلب :

1.     بناء تكتلات دولية جديدة تؤمن بهذه القيم وتملك وزناً اقتصادياً كافياً لفرض عقوبات مضادة مثلما يحدث مع دول البريكس وكذلك المحاولات المتكررة لإنشاء تحالفات إقليمية جديدة خاصة في مناطق الصراع مثل الشرق الأوسط .

2.     إصلاح جذري للمنظمات الدولية: إنهاء احتكار القوة في مجلس الأمن، وهو أمر لن يحدث إلا بضغط جماعي من دول الجنوب والشرق.

هل نحن في "عصور مظلمة" جديدة؟

يصف البعض المرحلة الحالية بأنها "فترة انكسار" في المنحنى الحضاري العالمي فالتاريخ لا يسير في خط مستقيم نحو الأفضل، بل يمر بتعرجات فإن فرض الأمر الواقع بالقوة قد يسود لعقد أو عقدين لكنه تاريخياً يولد مقاومة شرسة تؤدي في النهاية إلى صياغة "عقد اجتماعي عالمي" جديد، تماماً كما حدث بعد أهوال الحرب العالمية الثانية. فإن القيم الإنسانية لا تعدل المسار تلقائياً بل تحتاج إلى "إرادة سياسية" جماعية وشعوب واعية ترفض الانصياع لمنطق القوة.

 

 

 

 

 

 

 

 

الأربعاء، 7 يناير 2026

دمياط: استدامة على الورق.. وخرسانة على الأرض

 

دمياط: استدامة على الورق.. وخرسانة على الأرض!

بقلم: محمد عبد المنعم إبراهيم

منذ قرابة سبعة أعوام، أقدمت محافظة دمياط على هدم مبنى الديوان العام القديم في قلب المدينة التاريخية، في بقعة هي الأجمل على ضفاف النيل. لم يكن المبنى مجرد جدران، بل كان محاطاً بحديقتين من أكبر وأعرق حدائق المدينة، كما كان يضم مسجداً يخدم العاملين في المنطقة المركزية (المحكمة، المستشفى العام، مجلس المدينة) وسكان المنطقة المحيطة.

اليوم، ونحن نشاهد القبح المعماري الحالي، نتساءل: من صمم؟ ومن وافق؟ لقد تم محو هاتين الحديقتين وذلك المسجد من خريطة المدينة لصالح تصميم "خرساني" أصم، اغتال الخضرة ودمر الرئتين الوحيدتين للمنطقة، في صمت مريب من وزارة البيئة، وغياب تام لنواب المحافظة الذين لم يحركوا ساكناً.

تزييف الواقع والشعارات الجوفاء

كان هذا النهج "منطقياً" في عهد السيدة منال عوض، المحافظ السابق؛ حيث طغت لغة الشعارات الجوفاء مثل "اتحضر للأخضر" على الواقع المرير. والمفارقة هنا تكمن في التناقض الصارخ؛ ففي الوقت الذي كانت تُدمر فيه حدائق دمياط  ونواديها المهنية ، كانت المحافظة تنشغل باحتفاليات كبرى (كذكرى حوار فرنسيس الأسيزي والسلطان الكامل في 2019) وتستقبل الوفود الدولية برسائل "المحبة والسلام ونصرة المظلوم"، بينما الواقع على الأرض يظلم البيئة ويظلم المواطن الدمياطي البسيط بحرمانه من متنفسه الطبيعي.

بل وصل الأمر إلى محاولة "تغيير هوية المحافظة" عبر إلغاء احتفالات عيد دمياط القومي التاريخي الذي أرست قواعده قامات مثل المحافظ الراحل "حمدي عاشور". إن هذا التغول السلطوي لم يجد من يردعه من نواب الشعب الذين صمتوا أمام هدم التاريخ وتشويه الحاضر.

التوسع الأفقي: "جريمة تخطيطية" مع سبق الإصرار

ما حدث في ديوان المحافظة، وفي ميدان الشهابية الذي استُبدلت خضرته بالبلاط والصبّار، وفي حديقة "بنت الشاطئ" التي سُجنت خلف الأسمنت، يعكس فجوة مؤلمة في الوعي البيئي.

من الناحية الهندسية، يُعتبر التوسع الأفقي على حساب المساحات الخضراء في مدينة مزدحمة كدمياط "خطيئة تخطيطية". كان من الممكن اللجوء إلى التوسع الرأسي (Vertical Expansion) عبر تصميم برج إداري مكان المبني القديم متعدد الطوابق مع الإبقاء علي مساحة الحديقة، ويوفر ضعف عدد المكاتب، وتبقي الحديقة كمتنفس طبيعي. ولكن، تم اختيار الحل الأسهل إنشائياً والأغلى بيئياً وإنسانياً.

لماذا استبدلنا "الهوية البصرية" بـ "الكتل الصماء"؟

إن إزالة الأشجار المعمرة واستبدالها بالخرسانة أدى لما يُعرف علمياً بـ "الجزر الحرارية"، حيث ترتفع درجات الحرارة في المنطقة بشكل خانق، ويزداد استهلاك الطاقة. حتى الشوارع الملاصقة للمبنى لم تسلم، حيث تم اقتطاع مساحات منها بالحواجز الحديدية لتضييق الخناق على حركة المرور الكثيفة أصلاً.

إن غياب المجالس المحلية، وتعطيل أدوات الرقابة، جعل السلطة التنفيذية تنفرد بقرارات "سلطوية" تغلفها بشعارات "تطوير الخدمات"، بينما الحقيقة هي تدمير لجودة حياة الإنسان الدمياطي.

نداء إلى معالي المحافظ الحالي

إننا نهيب بالدكتور أيمن الشهابي، المحافظ الحالي، أن يصحح هذه الأوضاع المقلوبة. إن أولى خطوات الإصلاح هي إعادة الاعتبار للقيم الروحية والبيئية:

1.     إنشاء مسجد في الدور الأرضي من المبنى الضخم الجديد، تعويضاً عن المسجد الذي هُدم، وخدمةً لآلاف المترددين على المنطقة.

2.     استعادة الخضرة لميدان الشهابية وكورنيش السنانية وحديقة بنت الشاطئ، وفق رؤية علمية لا تعتمد على الأسمنت والبلاط.

3.     وقف التغول العمراني الحكومي على ما تبقى من مساحات خضراء، واعتبار "الاستدامة" حقيقة تُطبق، لا شعاراً يُرفع.

إن بناء الجدران سهل وتدشنه المكاتب الهندسية في أشهر، ولكن استعادة "رئة المدينة" ونظامها البيئي المعمر هو أمر يفوق قدرة الخرسانة. فهل من مجيب ينقذ ما تبقى من هوية دمياط؟