الجمعة، 22 مايو 2026

تراجع النص المسرحي لصالح الرؤية الإخراجية

 

في المسرح المصري المعاصر

تراجع النص لصالح الرؤية الإخراجية

هل هي سطوة المخرج؟

نعم، هناك شعور حقيقي بتراجع النص "الأدبي" في كثير من التجارب المعاصرة لصالح ما يُعرف بـ "سينوغرافيا العرض" أو "مسرح المخرج  ". المخرج لم يعد مجرد وسيط ينقل نص المؤلف إلى الخشبة بل أصبح "المؤلف الثاني" أو المؤلف الفعلي للعرض. في بعض الأحيان، يتم التعامل مع النص كـ "مادة خام" أو مجرد ذريعة لإطلاق رؤية بصرية صاخبة، مما جعل النص يتراجع خطوة إلى الوراء ليترك الصدارة للمؤثرات، الإضاءة، الحركة، والمؤثرات الصوتية.

وبسبب طغيان الصورة السينمائية والتلفزيونية على مخيلة الكتاب الجدد أصبحنا نرى نصوصاً مسرحية تُكتب بروح "السيناريو" تجد تقطيعاً مشهدياً سريعاً واعتماداً مكثفاً على "الفلاش باك"، وتنقلاً سريعاً بين الأمكنة يصعب تحقيقه على الخشبة إلا بحلول سينوغرافية معقدة والكاتب المعاصر أحياناً ينسى "جماليات الثبات" والعمق الحواري للمسرح، بمعني سقوط أعمدة المسرح الأرسطي المعروفة وحدة الزمان ووحدة المكان وأصبح الكاتب يكتب بعين الكاميرا التي تبحث عن اللقطة السريعة والمونتاج مما يفقد المسرح خصوصيته الحميمية القائمة على المواجهة المباشرة.

ولنا أن نتساءل هل يمكن أن ينجح النص الجيد في المسرح بدون كلام ؟ نعم، بالتأكيد. المسرح ليس مجرد كلام. هناك تاريخ طويل من "المسرح الصامت" (البانتومايم)، ومسرح الجسد، والرقص المسرحي (الكيروجرافيا) الذي استطاع تقديم أطروحات فكرية وفلسفية شديدة العمق دون نطق كلمة واحدة.

والمعيار هنا ليس وجود الحوار من عدمه، بل وجود "الدراما" و"الصراع". إذا استطاعت الصورة والحركة والجسد خلق صراع درامي يهز المشاهد، فإن العرض ينجح ويكون قوياً وعميقاً بامتياز.

ومع هذا تكمن  خطورة تحول المسرح إلى “فرجة بصرية” فقط  في "تسطيح الوعي" وتحويل المسرح إلى مجرد "سيرك ممتع" أو استعراض مبهر يداعب العين وينتهي أثره بمجرد خروج المتفرج من قاعة العرض. حين يفرغ المسرح من القيمة الفكرية والأدبية، يفقد قدرته على التطهير والتحريض العقلي، ويتحول إلى منتج استهلاكي (Entertainment) يفتقد الروح. الفرجة البصرية مطلوبة، لكنها إن لم تكن خادمة لفكرة أو دلالة، تصبح مجرد "بهرجة مجانية". وقد حدث ذلك كثيرا فيما يسمي بالدراما الحركية التي تحولت إلي حركات وإيقاعات متشنجة تميل إلي الحركة العنيفة في أغلب الأحيان تقليدا مسطحا لبعض التجارب الغربية

وبرغم كل شيء يبقي للحوار المسرحي سحره وتأثيره؟ فما زال، وسيبقى. السحر يحدث عندما تنطلق الكلمة لتخترق الصمت في الصالة عندما يصاغ الموقف بجملة حوارية مكثفة تشبه الطلقة وتكمن قوة الحوار المسرحي في أنه ليس كلاماً عادياً، بل هو "فعل" (Speech Act). المتفرج ما زال يذهب للمسرح لينصت إلى اعترافات الذات الإنسانية إلى المونولوجات الفلسفية التي تشبه مرايا الروح الكلمة على المسرح تحمل طاقة حية لا يمكن للصورة الثابتة أو المتحركة أن تعوضها.

وليس من المتصور أن ننتظر أيهما ينتصر في النهاية  الكلمة أم الصورة؟

فالمسرح الحقيقي لا ينبغي فيه لأحدهما أن ينتصر بإلغاء الآخر لأن الانتصار الحقيقي هو في "الاندماج العضوي" بينهما. فإذا انتصرت الكلمة بشكل مطلق تحول المسرح إلى "راديو" أو قراءة شعرية ممتعة ولكنها تفتقد للحياة والحركة  ، وإذا انتصرت الصورة بشكل مطلق، تحول المسرح إلى "شاشة سينما حية" أو لوحة صامتة بلا روح قد تفقد عمقها الإنساني والفكري.

الخلاصة هي أن المسرح يمر بمرحلة إعادة تعريف لنفسه؛ والنص المسرحي لم يمت، بل هو مطالب اليوم بأن يجدد أدواته ليتعايش مع ثورة الصورة ليكون نصاً يمتلك شعريته وعمقه، وفي نفس الوقت يترك مساحة "للتنفس البصري" على الخشبة. والقضية التي تحتاج إلي حوار أكثر هو لماذا تراجع كتاب الدراما وبخاصة في المسرح ونضب معين كتاب المسرح أو يكاد في الساحة الأدبية المصرية خاصة مع الاتجاه إلي الكسب السريع بالكتابة للمسلسلات والأفلام علي حساب المسرح

 

الأربعاء، 4 مارس 2026

قضية طابا والتحكيم الدولي

 

قضية طابا والتحكيم الدولي

 

عندما يذكر تاريخ تحرير طابا وعودتها للسيادة المصرية لابد وأن يذكر الدكتور مفيد شهاب الدين كواحد من أهم أعضاء اللجنة المصرية التي ترافعت عن تاريخ طابا ومصريتها وتمكنت بفضل علماؤها ومهندسوها من الانتصار لهذه البقعة الغالية من أرض الوطن ، هذا وتُعد قضية طابا (1986-1988) ملحمة دبلوماسية وقانونية مصرية كبرى حيث تشكلت "اللجنة القومية العليا لطابا" من نخبة من كبار القانونيين والجغرافيين والعسكريين والدبلوماسيين.

ومن أبرز أعضاء الفريق القانوني والدبلوماسي المصري أمام هيئة التحكيم الدولية في جنيف كان :

الدكتور نبيل العربي (رئيس الوفد المصري ووكيل الحكومة المصرية أمام المحكمة).والدكتور وحيد رأفت (نائب رئيس حزب الوفد وأحد كبار فقهاء القانون الدولي) والدكتور مفيد شهاب (رئيس قسم القانون الدولي بجامعة القاهرة آنذاك وأحد المحركين الرئيسيين للملف القانوني) والدكتور أحمد صادق القشيري (خبير قانوني دولي) والدكتور جورج أبي صعب: (أستاذ القانون الدولي بجامعة جنيف) والدكتور صلاح عامر (أستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة) والدكتور طلعت الغنيمي (أستاذ القانون الدولي بجامعة الإسكندرية) والدكتور محمد فتحي نجيب (الذي أصبح لاحقاً رئيس المحكمة الدستورية العليا) والمستشار أمين المهدي (رئيس مجلس الدولة الأسبق)

وقد مثل مصر يومها في هيئة التحكيم الدولية (المحكم المصري) الدكتور حامد سلطان الذي كان هو العضو المصري الوحيد داخل "هيئة التحكيم" الخماسية التي أصدرت الحكم ويُلقب بـ "شيخ القانونيين الدوليين".

وقد شارك أيضا عدد من الخبراء الفنيون والجغرافيون والتاريخيون منهم : د. يونان لبيب رزق: (المؤرخ الشهير الذي تولى الجانب التاريخي). ود. يوسف أبو الحجاج (أستاذ الجغرافيا الذي قدم الخرائط الثبوتية). واللواء محسن حمدي (رئيس الجانب المصري في اللجنة العسكرية المشتركة) واللواء عبد الفتاح محسن (رئيس هيئة المساحة العسكرية الأسبق)

وكان يعاون كل هؤلاء طاقما دبلوماسيا شمل الفريق عدداً من السفراء والدبلوماسيين بوزارة الخارجية، منهم  السفير مهاب مقبل والسفير أحمد أبو الخير والسفير وجيه حنفي والسفير محمود سمير سامي.

وبعد معركة قانونية مضنية صدر الحكم التاريخي في 29 سبتمبر 1988 لصالح مصر بأحقيتها في كافة نقاط الخلاف (العلامة 91)، وتم رفع العلم المصري على طابا في 19 مارس 1989.

ومن الكواليس التي جعلت هذا الفريق ينجح في استعادة "آخر حبة رمل". يجب التركيزعلى "مشارطة التحكيم" (الجزء الفني القانوني) ودور د. نبيل العربي و د. يونان لبيب رزق تحديداً:

أولاً: ذكاء "مشارطة التحكيم" فقد كانت هذه الوثيقة هي حجر الزاوية حيث أصر الفريق القانوني المصري (بقيادة د. نبيل العربي) على صياغة سؤال محدد جداً لهيئة التحكيم وهو:

"أين يقع مكان علامات الحدود الدولية المعترف بها بين مصر وفلسطين تحت الانتداب؟"

وقد كان هذا السؤال ذكياً؟ حيث أجبر المحكمة على اختيار مكان واحد من اثنين (إما الموقع الذي تقوله مصر أو الذي تقوله إسرائيل)، ولم يسمح للمحكمة بابتكار "حل وسط" أو تقسيم المنطقة.

هذا وقد تم ربط الحدود بفترة الانتداب (1922-1948)، وهي الفترة التي كانت فيها الخرائط والوثائق البريطانية تؤيد الموقف المصري تماماً. ومن ثم جاءت معركة "العلامة 91" ودور د. يونان لبيب رزق حيث كانت إسرائيل تدعي أن العلامة 91 (المطلة على خليج العقبة) تقع في وادٍ منخفض، بينما أصرت مصر أنها فوق جبل. وكان الدور التاريخي للدكتور يونان لبيب رزق حيث تمكن من استخراج وثائق من الأرشيف البريطاني تعود لعام 1906 (اتفاقية الحدود بين الدولة العثمانية ومصر). وكانت المفاجأة عندما وجد الفريق المصري صوراً قديمة التقطها ضباط بريطانيون لعلامات الحدود تظهر فيها بوضوح بقايا "أعمدة بناء" فوق الجبل، مما دحض الرواية الإسرائيلية بأن العلامة كانت في الوادي.

وجدير بالذكر أن د. نبيل العربي ( نموذج الدبلوماسية الهادئة) هو "المايسترو". تميزت إدارته بالآتي:

  • التنسيق بين التخصصات : فقد نجح العربي في جعل  رجل القانون يفهم لغة الخرائط من الجغرافي، ولغة التحركات العسكرية من اللواء محسن حمدي. وكان اختيار المحكمين الدوليين دوراً كبيرا في اختيار محكمين دوليين محايدين (من فرنسا، سويسرا، والنيوزيلندي الذي ترأس اللجنة)، لضمان عدم انحياز الهيئة.

وقد تم تشكيل هيئة التحكيم الخماسية التي أصدرت الحكم من د. حامد سلطان (مصري) وروث لابيدوث (إسرائيلية - وهي الوحيدة التي عارضت الحكم) وثلاثة قضاة دوليين محايدين (من سويسرا وفرنسا ونيوزيلندا)

عندما صدر الحكم بنتيجة (4 ضد 1) لصالح مصر كان ذلك انتصاراً ساحقاً لأن القضاة المحايدين الثلاثة انضموا بالكامل للموقف المصري.

ومن أذكى وأغرب فصول قضية طابا التي توضح كيف أن "الدهاء الميداني" لا يقل أهمية عن "الدهاء القانوني". حيث حاول الجانب الإسرائيلي إقناع هيئة التحكيم الدولية بأن موقع العلامة 91 (النقطة الحدودية الأخيرة المطلة على خليج العقبة) تقع في منطقة منخفضة قريبة من الشاطئ، وليس فوق جبل "المنطقة المرتقعة" كما كانت تؤكد مصر.

في أثناء المعاينة الميدانية التي قامت بها هيئة التحكيم الدولية لموقع طابا حاول الفنيون الإسرائيليون إيهام المحكمة بوجود بقايا قديمة لعلامة حدودية في الوادي فقاموا بوضع "كتل أسمنتية" في منخفض أرضي وتعمدوا صبها وتغطيتها بالأتربة لتبدو وكأنها تآكلت بفعل الزمن منذ عام 1906. وقد نجح المصريون في كشف حيلتهم حيث كان اللواء محسن حمدي (الذي كان يتمتع بخبرة ميدانية هائلة) لاحظ أن نوع الأسمنت والركام المستخدم حديث ولا يتفق مع التكنولوجيا التي كانت مستخدمة في أوائل القرن العشرين كما أثبت الخبراء المصريون أن السيول في هذه المنطقة كانت لتمحو أي أثر لعلامة في الوادي بينما العلامات الحقيقية توضع دائماً فوق القمم لتكون مرئية ؛

وقد حاول الجانب الإسرائيلي تقديم خرائط بأسماء جغرافية معدلة لبعض الوديان والتلال المحيطة بطابا ليظهر أن الوصف الوارد في اتفاقية 1906 ينطبق على الموقع الذي يختارونه هم ولكن نجح الرد المصري بقيادة الدكتور يوسف أبو الحجاج (الجغرافي الفذ)  في مواجهتهم بخرائط أصلية من الأرشيف البريطاني وأرشيف "دير سانت كاترين" تعود لقرون مضت، تثبت أن الأسماء الجغرافية للمواقع (مثل وادي طابا وجبل المرة) ثابتة تاريخياً ولا تتفق مع الادعاء الإسرائيلي ، وكانت مصر تصر على أن العلامة 91 تقع فوق هضبة مرتفعة. وعندما ذهبت اللجنة للمعاينة لم يجدوا "العمود" الحديدي (لأنه أُزيل عمداً). وبفضل دقة اللواء عبد الفتاح محسن ورجال المساحة العسكرية  استطاعوا تحديد مكان "القاعدة الحجرية" الأصلية للعمود تحت طبقات من الرمال فوق الجبل. وعندما تم الحفر وتدقيق النظر، وُجدت بقايا "خشبية" وحديدية تعود فعلياً لفترة الانتداب البريطاني، وهو ما طابق الصور الفوتوغرافية القديمة التي قدمها الدكتور يونان لبيب رزق.

وقد فشل هذا "الخداع البصري" الميداني  مما جعل هيئة التحكيم الدولية تفقد الثقة في الرواية الفنية الإسرائيلية. وفي حكمها النهائي ذكرت المحكمة صراحة أنها تعتمد الموقع المصري بناءً على:

1.     الواقع الميداني (بقايا القاعدة فوق الجبل).

2.     المنطق الجغرافي (استحالة وضع علامة حدودية في ممر سيل).

وبعد صدور الحكم، رفضت إسرائيل في البداية تسليم "فندق سونستا طابا" وقرية رافي نيلسون السياحية اللذين كانا يقعان في المنطقة المستردة، مما أدى لمفاوضات تكميلية شاقة انتهت بشرائهما وتعويض الجانب الإسرائيلي عنهما لتعود السيادة المصرية كاملة.

لقد تحولت قضية طابا من مجرد "نزاع حدودي" إلى مرجع قانوني دُولي يُدرّس في أكبر الجامعات، وذلك بسبب المبادئ الصارمة والدقيقة التي رسخها الفريق المصري.

الثلاثاء، 10 فبراير 2026

عصر ترامب عالميا هو عصر البلطجة السياسية الدولية

 

عصر ترامب عالميا هو عصر البلطجة السياسية الدولية

 

علي عكس التطور المنطقي للتاريخ والحضارة العالمية تزدهر البلطجة السياسية لتسود العالم وتنهي دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن علي أيدي الولايات المتحدة ورئيسها أكبر بلطجي تولي رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية في التاريخ

شعور قد يعكس قدراً كبيراً من الإحباط الذي يشعر به الكثيرون تجاه المشهد السياسي العالمي الحالي. فإن ما نصفه بـ "البلطجة السياسية" يراه البعض تراجعاً لمفهوم "القانون الدولي" لصالح "قوة الأمر الواقع".

من الناحية التاريخية والسياسية  ويمكننا تحليل هذا الوضع من خلال عدة زوايا لتوضيح المشهد:

أهمها أن  هذه المؤسسات تعاني منذ فترة طويلة من حالة شلل شبه تام بسبب حق الفيتو: الذي تحول من أداة لحفظ التوازن إلى وسيلة لحماية المصالح الخاصة للقوى الكبرى علي حساب القوي الأخري .

ومن ثم تلاحظ انتقائية التنفيذ حيث تُطبق القرارات الدولية بصرامة على دول معينة بينما يتم تجاهلها تماماً عندما تتعلق بلفاء القوى العظمى أو بحلفائها كما حدث تجاه العراق وصدام حسين وعلي النقيض ما حدث ويحدث كل يوم تجاه إسرائيل ونتنياهو .

وقد أدي هذا التحول من "الدبلوماسية" إلى "الإكراه" تاريخياً حيث كان التطور المنطقي للحضارة يتجه نحو "العولمة" والتعاون المشترك لكن ما نراه الآن هو عودة لسياسات القطبية الأحادية أو الصراع الصفري حيث فأصبحت العقوبات الاقتصادية تستخدم كبديل للحروب العسكرية ، وبالتالي يتم تجاوز المنظمات الدولية لاتخاذ قرارات أحادية الجانب

وبغض النظر عن الاسم فإن السياسة الخارجية الأمريكية غالباً ما تتبع مبدأ "الواقعية السياسية"  وهي مدرسة تضع المصلحة القومية فوق أي اعتبارات أخلاقية أو قانونية دولية. هذا التوجه تزايدت حدته مؤخراً، مما جعل القيادة الأمريكية تبدو في نظر الكثيرين وكأنها تتصرف خارج إطار الإجماع العالمي.

فهل نحن أصبحنا أمام نهاية النظام العالمي القديم؟

كثير من المحللين يتفقون علي أن النظام الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية (نظام بريتون وودز والأمم المتحدة) يتآكل بالفعل. نحن نعيش مرحلة انتقالية تتسم بالفوضى، حيث لم يولد بعد نظام جديد يحل محل النظام المتداعي خاصة بعد عربدة القوة المفرطة للاحتلال الصهيوني فيما تبقي من أراضي لفلسطين وغزة وبعد اختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته من مخدعهما في بيته ووطنه وعجز النظام العالمي عن أن يتخذ موقفا إيجابيا من إبادة شعب بأسره وقتل العزل من أبنائه في غزة علي مرأي ومسمع من الجميع وكذلك عجزه عن توفير الحد الأدني من احترام إرادة شعب انتخب مادورو رئيسا لدولة عضو في هذا النظام العالمي .

وكما يعلمنا التاريخ  أن الحضارات تمر بفترات من "الردة" عن القيم الإنسانية قبل أن تعيد تنظيم نفسها بناءً على موازين قوى جديدة إلا أن التطورات المفاجئة يعجز معها المحللون للموقف الراهن عن إدراك أن  القيم الإنسانية يمكن أن تعيد تنظيم نفسها وتعدل من مسارات فرض الأمر الواقع بالقوة العسكرية وهو تصور لفلسفة الصراع الفلسفي والسياسي في عصرنا الحالي فالإجابة ليست وردية تماماً لكنها ليست مستحيلة ؛

فالمحللون ينقسمون في رؤيتهم لكيفية استعادة "القيم الإنسانية" لمكانتها أمام "قوة السلاح" إلى مدرستين أساسيتين

1. مدرسة "التصحيح عبر الأزمات الكبرى" وهي ما أطلقت عليها هيلاري كلينتون الفوضي الخلاقة حيث يعتقد أصحاب هذا الرأي أن النظام العالمي لا يتغير "طواعية" بناءً على الأخلاق، بل نتيجة لصدمات كبرى تجعل الاستمرار في سياسة القوة أمراً مكلفاً للغاية. فإن استنزاف القوة العسكرية المفرطة والبلطجة السياسية تؤدي في النهاية إلى "توسع إمبراطوري زائد" حيث تعجز الدولة القوية عن تحمل تكاليف حروبها وصورتها الذهنية المهزوزة مما يجبرها على العودة لطاولة المفاوضات والقانون الدولي كما حدث في فيتنام وأفغانستان . وبالتالي نهوض الأقطاب البديلة  فيرى البعض أن تعدد القوى (عالم متعدد الأقطاب) قد يخلق نوعاً من التوازن يمنع استفراد "بلطجي" واحد بالقرار مما يعيد للقانون الدولي قيمته كوسيلة لحل النزاعات بدلاً من الصدام المباشر.

2. مدرسة "القوة الناعمة والمقاومة المدنية"

هناك تيار يرى أن القيم الإنسانية تعيد تنظيم نفسها من الأسفل إلى الأعلى وليس من الرؤساء إلى الشعوب انطلاقا من سلطة الرأي العام العالمي بفضل التكنولوجيا، فلم يعد بإمكان القوى العسكرية إخفاء جرائمها. وأصبح الضغط الشعبي العالمي قادراً على محاصرة الحكومات سياسياً واقتصادياً (كما نرى في حركات المقاطعة والاحتجاجات الدولية). وفي هذا السياق قد تقع محاولات جمعية من القوي الضعيفة عسكريا وسياسيا ولكنهاتسعي إلي حماية مستقبلها في إطار ( أنسنة السياسة)  هناك محاولات لتدويل مفاهيم مثل المسؤولية عن الحماية" أو محاكمة مجرمي الحرب، وهي أدوات، رغم ضعفها الحالي إلا أنها قد  تمثل "بذوراً" لنظام قادم يحاسب القوي قبل الضعيف.

ويكمن التحدي الكبير فيما يراه المحللون الواقعيون الذين يحذرون من أن "الحق الذي لا تسنده قوة.. ضائع". لذا، فإن إعادة تنظيم القيم لمسار التاريخ تتطلب :

1.     بناء تكتلات دولية جديدة تؤمن بهذه القيم وتملك وزناً اقتصادياً كافياً لفرض عقوبات مضادة مثلما يحدث مع دول البريكس وكذلك المحاولات المتكررة لإنشاء تحالفات إقليمية جديدة خاصة في مناطق الصراع مثل الشرق الأوسط .

2.     إصلاح جذري للمنظمات الدولية: إنهاء احتكار القوة في مجلس الأمن، وهو أمر لن يحدث إلا بضغط جماعي من دول الجنوب والشرق.

هل نحن في "عصور مظلمة" جديدة؟

يصف البعض المرحلة الحالية بأنها "فترة انكسار" في المنحنى الحضاري العالمي فالتاريخ لا يسير في خط مستقيم نحو الأفضل، بل يمر بتعرجات فإن فرض الأمر الواقع بالقوة قد يسود لعقد أو عقدين لكنه تاريخياً يولد مقاومة شرسة تؤدي في النهاية إلى صياغة "عقد اجتماعي عالمي" جديد، تماماً كما حدث بعد أهوال الحرب العالمية الثانية. فإن القيم الإنسانية لا تعدل المسار تلقائياً بل تحتاج إلى "إرادة سياسية" جماعية وشعوب واعية ترفض الانصياع لمنطق القوة.

 

 

 

 

 

 

 

 

الأربعاء، 7 يناير 2026

دمياط: استدامة على الورق.. وخرسانة على الأرض

 

دمياط: استدامة على الورق.. وخرسانة على الأرض!

بقلم: محمد عبد المنعم إبراهيم

منذ قرابة سبعة أعوام، أقدمت محافظة دمياط على هدم مبنى الديوان العام القديم في قلب المدينة التاريخية، في بقعة هي الأجمل على ضفاف النيل. لم يكن المبنى مجرد جدران، بل كان محاطاً بحديقتين من أكبر وأعرق حدائق المدينة، كما كان يضم مسجداً يخدم العاملين في المنطقة المركزية (المحكمة، المستشفى العام، مجلس المدينة) وسكان المنطقة المحيطة.

اليوم، ونحن نشاهد القبح المعماري الحالي، نتساءل: من صمم؟ ومن وافق؟ لقد تم محو هاتين الحديقتين وذلك المسجد من خريطة المدينة لصالح تصميم "خرساني" أصم، اغتال الخضرة ودمر الرئتين الوحيدتين للمنطقة، في صمت مريب من وزارة البيئة، وغياب تام لنواب المحافظة الذين لم يحركوا ساكناً.

تزييف الواقع والشعارات الجوفاء

كان هذا النهج "منطقياً" في عهد السيدة منال عوض، المحافظ السابق؛ حيث طغت لغة الشعارات الجوفاء مثل "اتحضر للأخضر" على الواقع المرير. والمفارقة هنا تكمن في التناقض الصارخ؛ ففي الوقت الذي كانت تُدمر فيه حدائق دمياط  ونواديها المهنية ، كانت المحافظة تنشغل باحتفاليات كبرى (كذكرى حوار فرنسيس الأسيزي والسلطان الكامل في 2019) وتستقبل الوفود الدولية برسائل "المحبة والسلام ونصرة المظلوم"، بينما الواقع على الأرض يظلم البيئة ويظلم المواطن الدمياطي البسيط بحرمانه من متنفسه الطبيعي.

بل وصل الأمر إلى محاولة "تغيير هوية المحافظة" عبر إلغاء احتفالات عيد دمياط القومي التاريخي الذي أرست قواعده قامات مثل المحافظ الراحل "حمدي عاشور". إن هذا التغول السلطوي لم يجد من يردعه من نواب الشعب الذين صمتوا أمام هدم التاريخ وتشويه الحاضر.

التوسع الأفقي: "جريمة تخطيطية" مع سبق الإصرار

ما حدث في ديوان المحافظة، وفي ميدان الشهابية الذي استُبدلت خضرته بالبلاط والصبّار، وفي حديقة "بنت الشاطئ" التي سُجنت خلف الأسمنت، يعكس فجوة مؤلمة في الوعي البيئي.

من الناحية الهندسية، يُعتبر التوسع الأفقي على حساب المساحات الخضراء في مدينة مزدحمة كدمياط "خطيئة تخطيطية". كان من الممكن اللجوء إلى التوسع الرأسي (Vertical Expansion) عبر تصميم برج إداري مكان المبني القديم متعدد الطوابق مع الإبقاء علي مساحة الحديقة، ويوفر ضعف عدد المكاتب، وتبقي الحديقة كمتنفس طبيعي. ولكن، تم اختيار الحل الأسهل إنشائياً والأغلى بيئياً وإنسانياً.

لماذا استبدلنا "الهوية البصرية" بـ "الكتل الصماء"؟

إن إزالة الأشجار المعمرة واستبدالها بالخرسانة أدى لما يُعرف علمياً بـ "الجزر الحرارية"، حيث ترتفع درجات الحرارة في المنطقة بشكل خانق، ويزداد استهلاك الطاقة. حتى الشوارع الملاصقة للمبنى لم تسلم، حيث تم اقتطاع مساحات منها بالحواجز الحديدية لتضييق الخناق على حركة المرور الكثيفة أصلاً.

إن غياب المجالس المحلية، وتعطيل أدوات الرقابة، جعل السلطة التنفيذية تنفرد بقرارات "سلطوية" تغلفها بشعارات "تطوير الخدمات"، بينما الحقيقة هي تدمير لجودة حياة الإنسان الدمياطي.

نداء إلى معالي المحافظ الحالي

إننا نهيب بالدكتور أيمن الشهابي، المحافظ الحالي، أن يصحح هذه الأوضاع المقلوبة. إن أولى خطوات الإصلاح هي إعادة الاعتبار للقيم الروحية والبيئية:

1.     إنشاء مسجد في الدور الأرضي من المبنى الضخم الجديد، تعويضاً عن المسجد الذي هُدم، وخدمةً لآلاف المترددين على المنطقة.

2.     استعادة الخضرة لميدان الشهابية وكورنيش السنانية وحديقة بنت الشاطئ، وفق رؤية علمية لا تعتمد على الأسمنت والبلاط.

3.     وقف التغول العمراني الحكومي على ما تبقى من مساحات خضراء، واعتبار "الاستدامة" حقيقة تُطبق، لا شعاراً يُرفع.

إن بناء الجدران سهل وتدشنه المكاتب الهندسية في أشهر، ولكن استعادة "رئة المدينة" ونظامها البيئي المعمر هو أمر يفوق قدرة الخرسانة. فهل من مجيب ينقذ ما تبقى من هوية دمياط؟

الأربعاء، 31 ديسمبر 2025

بالبلدي ديون مصر من عام 1975 إلي اليوم

 

بالبلدي ديون مصر من عام 1975 إلي اليوم

 

كان عام 1975 نقطة تحول مفصلية في التاريخ الاقتصادي المصري حيث بدأت ملامح الديون بالبروز بشكل أوضح نتيجة تداعيات حرب أكتوبر 1973  وبدء تطبيق سياسة "الانفتاح الاقتصادي" في عهد الرئيس الراحل أنور السادات. فقد بلغت ديون مصر في ذلك العام المعلنة  والأكثر تداولاً هي:

  • الدين الخارجي الإجمالي : قُدر بنحو 4.8 مليار دولار وفقاً لبعض تقديرات البنك الدولي.
  • تقديرات أخرى: تشير تقارير صندوق النقد الدولي إلى أن "الدين الخارجي المدني" (طويل ومتوسط الأجل) وصل في ذلك العام إلى حوالي 9.8 مليار دولار إذا ما أضيفت إليه بعض الالتزامات الأخرى والمساعدات التي تحولت لديون.
  • مقارنة سريعة : كان الدين الخارجي في عام 1970 (بداية عهد السادات) حوالي 1.6 مليار دولار فقط، مما يعني أنه تضاعف عدة مرات في غضون 5 سنوات وقد بلغت نسبة الدين العام (داخلي وخارجي) في عام 1975 نحو 72.1% من الناتج القومي الإجمالي. وهي نسبة كانت تعكس الضغوط الكبيرة على الموازنة العامة للدولة الخارجة لتوها من سنوات الحرب وإعادة الإعمار.

وارتفاع الديون في ذلك التوقيت ربما يرجع إلي تكاليف الحرب فقد كانت مصرتتحمل أعباء هائلة لإعادة بناء القوات المسلحة وتعمير مدن القناة التي دُمرت في الحرب وأيضا بسبب سياسة الانفتاح حيث قد بدأ التحول من "اقتصاد الحرب" إلى اقتصاد السوق مما تطلب استثمارات ضخمة وقروضاً لتمويل مشروعات البنية التحتية والاستيراد .

هذا وقد تغيرت جهات الإقراض  فتحولت مصر تدريجياً من الاعتماد على الاتحاد السوفيتي (الذي كان يطالب بسداد ديون عسكرية قديمة) إلى الاقتراض من الدول العربية (خاصة السعودية والكويت) والمؤسسات الدولية والغربية مثل الولايات المتحدة.

وهنا ظهر جليا عجز الميزان التجاري حيث سجل عام 1975 عجزاً كبيراً في المعاملات الجارية (حوالي 969 مليون جنيه مصري آنذاك) نتيجة زيادة الاستيراد بشكل غير مسبوق .

وبينما كان الدين في بداية عهد السادات 1.6 مليار دولار فقط وصل إلي 2 مليار دولار في عام الحرب 1973 ومع بداية الانفتاح ارتفع إلي 9.8 مليار مع إعادة إعمار المدن المخربة بسبب الحرب بطول قناة  كيف تمت تسوية ديون تلك الحقبة؟

بعد عام 1975، استمرت الديون في الارتفاع خلال الثمانينيات حتى وصلت مصر إلى حافة التعثر عن السداد في أواخر تلك الحقبة وجاءت "الانفراجة الكبرى" في بداية التسعينيات نتيجة عوامل سياسية واقتصادية مع احتلال العراق للكويت وقيام حرب تحرير الكويت ما بين 1990و 1991 نتيجة لموقف مصر الداعم للتحالف الدولي فكان أن اتخذت الدول الكبرى قرارات تاريخية بإعفاء مصر من ديون ضخمة:

حيث ألغت الولايات المتحدة ديوناً عسكرية كانت مستحقة على مصر بقيمة 7 مليار دولار.

بينما قامت دول الخليج السعودية والكويت والإمارات بإسقاط ديون كانت مستحقة على مصر قُدرت بنحو 7 مليار دولار أيضاً.

وفي نادي باريس 1991  دخلت مصر في اتفاق تاريخي مع "نادي باريس" (تجمع الدول الدائنة)، وبموجبه تم الاتفاق على إسقاط 50% من ديون مصر المتبقية للدول الأعضاء وجدولة الـ 50% الأخرى على فترات طويلة تصل إلى 35 عاماً، مقابل تنفيذ برنامج للإصلاح الاقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي.

وبفضل هذه الإجراءات، انخفض إجمالي الدين الخارجي من حوالي 50 مليار دولار عام 1990 إلى حوالي 31 مليار دولار عام 1994.

 مقارنة بين ديون عام 1975 والديون الحالية (2024/2025)  حيث بلغ إجمالي الدين الخارجي عام 1975 حوالي 9.8 مليار دولار بلغ عام 2024/2025 152.9مليار دولار حسب بيانات البنك المركزي لمنتصف 2024 بسبب مشروعات البنية التحتية وسد عجز الموازنة وتداعيات كورونا وحرب أوكرانيا ،ومما يزيد من عبئ السداد ارتفاع قيمة الدولار بالجنيه المصري بسبب سياسات تعويم الجنيه التي فرضها صندوق النقد الدولي وسياسة الاصلاح الاقتصادي

فقد بلغت القوة الشرائية لما قيمته 5 مليار دولار عام 1975 تعادل اليوم حوالي 30 مليار دولار     بأسعار اليوم .

هذا وقد بلغ حجم الاقتصاد المصري اليوم حدا أكبر بكثير مما كان عليه في السبعينيات وبالتالي فإن قدرة الدولة علي استيعاب الديون تختلف ولكن الضغط الحالي يأتي من خدمة الدين والأقسام المستحقة والفوائد التي تستهلك جزءا كبيرا من الموازنة العامة للدولة .

وبينما كان الاحتياطي النقدي في عام 1975 قليلا جدا فكانت مصر تعاني من ندرة حادة في النقد الأجنبي بينما تمتلك مصر حالياً احتياطياً نقدياً يتجاوز 46 مليار دولار (حسب أحدث بيانات) مما يوفر وسادة أمان أفضل من تلك الفترة.

هذا وقد شهد عام 2024 تحولات كبرى في ملف الديون المصرية والاقتصاد بشكل عام بفضل "صفقة رأس الحكمة" والاتفاق الموسع مع صندوق النقد الدولي. وتُعتبر صفقة رأس الحكمة هي الأضخم في تاريخ مصر من حيث الاستثمار الأجنبي المباشر وكان لها أثر مباشر وسريع على الديونفقد بلغت قيمة الصفقة 35 مليار دولار إجمالي الاستثمار المباشر من دولة الإمارات وتضمنت الصفقة تحويل 11 مليار دولار من الودائع الإماراتية لدى البنك المركزي المصري إلى "استثمارات" ونتيجة لذلك أدى إلى خفض الدين الخارجي المصري بمقدار 11 مليار دولار فوراً (لأن الودائع تُحسب كجزء من الدين الخارجي)، وتحولت من "ديون واجبة السداد" إلى "رأس مال استثماري" داخل الدولة. وتضمنت أيضا توفير السيولة لـ 24 مليار دولار المتبقية (كاش) ساعدت الحكومة على سداد التزامات دولية متأخرة وتوفير العملة الصعبة للافراج عن البضائع، مما خفف الضغط على الجنيه.

من ناحية أخري بعد صفقة رأس الحكمة تم الإعلان عن رفع قيمة قرض صندوق النقد الدولي لمصر:

بزيادة القرض من 3 مليارات دولار إلى 8 مليارات دولار. وقد ساعد هذا علي فتح الباب لتمويلات إضافية من الاتحاد الأوروبي (حوالي 8 مليارات دولار) والبنك الدولي (حوالي 6 مليارات دولار) أخري  ليصل إجمالي حزمة الدعم الدولي إلى أكثر من 50 مليار دولار.

وقد شمل الاتفاق تحرير سعر الصرف (تعويم الجنيه) ليصل إلى سعره العادل وتشديد السياسة النقدية (رفع الفائدة) للسيطرة على التضخم، وتعزيز دور القطاع الخاص.

كل ذلك أدي في النهاية ( وفقاً للبيانات الرسمية من البنك المركزي المصري والحكومة في النصف الثاني من 2024) إلي تراجع الدين الخارجي حيث سجل الدين الخارجي لمصر تراجعاً ملحوظاً لأول مرة منذ سنوات طويلة حيث انخفض من مستويات تقترب من 168 مليار دولار في نهاية 2023 إلى حوالي 152.9 مليار دولار في منتصف 2024 (بنسبة انخفاض تجاوزت 9%)

مما أدي إلي أن وكالات التصنيف الائتماني (مثل فيتش وموديوز)  رفعت نظرتها للاقتصاد المصري من "سلبية" إلى "إيجابية" أو "مستقرة"، مما يقلل من تكلفة الاقتراض مستقبلاً.

وبرغم التحسن ورغم الانخفاض الكبير في إجمالي الدين الخارجي، لا تزال هناك تحديات تعمل الحكومة على حلها منها

1.     تكلفة خدمة الدين: الجزء الأكبر من الموازنة العامة لا يزال يذهب لسداد "فوائد الديون"، خاصة الديون الداخلية التي تأثرت بارتفاع أسعار الفائدة.

2.     الاعتماد على الأموال الساخنة: تحاول مصر حالياً استبدال الاستثمارات قصيرة الأجل (الأموال الساخنة) باستثمارات مباشرة (مثل المصانع والشركات) لضمان استقرار طويل الأمد.

3.     استمرار الإصلاح الهيكلي: يضغط صندوق النقد الدولي لتقليل نفقات الدولة وخصخصة بعض الشركات الحكومية لتقليل الحاجة للاقتراض مرة أخرى.

نستطيع أن نصف عام 1975 أنه كان بداية "كرة الثلج" للديون المصرية وعام 1991 كان عام "السقوط الكبير" لها، أما عام 2024 فيعتبر عام "الإنقاذ والاحتواء" الذي منع انزلاق مصر نحو أزمة تعثر شاملة مع بدء مسار نزولي حقيقي لحجم الدين الخارجي.

‏31‏/12‏/2025