الخميس، 18 يونيو 2015

الإعلام بين الواقع والمأمول 4- ثقافة عصر المعلومات

الإعلام بين الواقع والمأمول
4- ثقافة عصر المعلومات











ثقافة عصر المعلومات:
ألّف الدكتور نبيل علي كتاباً مهماً بعنوان : (الثقافة العربية وعصر المعلومات.. رؤية لمستقبل الخطاب الثقافي العربي). ولعلي هنا أفيد القارئ الكريم مما سطره الدكتور علي مع بعض المداخلات.
يقرر الدكتور نبيل علي: أن الثقافة في عصر المعلومات صناعة قائمة بذاتها، ولم تعد مدينة إلى أحاديث الصالونات وسجال المنتديات ورؤى المقاعد الوثيرة، وتكرار الجدل العقيم حول العموميات والأمور التي صارت في حكم البديهيات من قبيل أصالة ومعاصرة، ثقافة النخبة وثقافة العامة، وتعريب التعليم؛ فقد أصبحت الثقافة هي محور عملية التنمية الاجتماعية الشاملة، كما أصبحت تكنولوجيا المعلومات هي محور التنمية العلمية التكنولوجية.
ومن ثم فإن تناول الموضوع يجب أن يكون مزدوجاً (علاقته بالمعلومات) ومنظومة ( الرؤية الشبكية الشاملة للتنمية الاقتصادية والسياسية والتكنولوجية، وتنمية الفكر والإبداع، والتنمية التربوية، والمعتقدات والقيم، والمحافظة على التراث، والتي جعلتها المعلوماتية منهجاً معتمداً).
يتساءل الدكتور علي: ما علاقة الثقافة بتكنولوجيا المعلومات؟
ثم يجيب: إن الثقافة هي ما يبقى بعد زوال كل شيء، والمعلومات هي المورد الإنساني الوحيد الذي لا يتناقص بل ينمو مع زيادة استهلاكه، والثقافة تصنع الموارد البشرية كما هي صنيعتها، والاستيعاب الثقافي هو الأساس للتقدم والتنمية.
ثم يكشف عن مؤامرة ضد الثقافة قائلاً:
لقد نجح الاقتصاد متضامناً مع السياسة في التهوين من قدر الثقافة، وعولمة الاقتصاد تقود قافلة العولمة جارة وراءها عولمة الثقافة، فالتكنولوجيا في أحوال كثيرة أسرع من العلم، والعلم أسرع من الاقتصاد، والاقتصاد أسرع من السياسة، والسياسة أسرع من الثقافة؛ أي أن الثقافة في ذيل القافلة، فهي ظاهرة اجتماعية تحتاج إلى وقت طويل حتى تؤتي ثمارها وتترسخ، ولكن السياسات وحركة الاقتصاد والعلم والتكنولوجيا والأسواق تتغير بسرعة.ـ
والدكتور نبيل علي لا يعني بذلك أن الثقافة غير متسارعة. كلا، فلها سرعتها العجيبة عن ذي قبل؛ فالمذاهب الفكرية والاجتماعية سريعة التطور أو التغير حين قلّ دور وسطاء المعرفة، وأصبح بمقدور الطالب تحصيل المعلومة قبل وبشكل أوسع من معلمه وأستاذه.
وهذا يدعو إلى تثقيف المعلمين وتجديد وسائل وطرائق التعليم، وتحديث المعلومة بدل تكرارها.
وحتى المعلومة الشرعية أصبحت متاحة بأكثر من نص، وبأكثر من استدلال، واجتهاد، ورأي، ومذهب، وليس بالإمكان تجاهل التعددية واستعمال الوصايات على العقول.
إن ثقافة عصر المعلومات غيّرت كثيراً من الفهم ووسائله، ويجب أن نستثمر هذا الفتح المعلوماتي استقبالاً وإرسالاً.
وإذا كان الفقه الإسلامي يتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والأشخاص فإن عصر المعلومة والاتصال المفتوح قد غيّر كل هذه المتحوّلات، فهل تغيّر الفقه والحكم على الأشياء؟! أم لا نزال نقدمها نصوصاً جامدة..!! وليتها نصوص الوحي.. ولكنها نصوص الفقهاء الذين كانت تلك النصوص متماشية مع واقعهم؛ فعليهم الرحمة وعلينا السلام.
  الثقافة
الأمم والشعوب لها ثقافات تتفق أحيانا في بعض الجوانب وتتباين في أخرى، وكل أمة حريصة على نشر ثقافتها وخاصة لدى أفرادها ومنسوبيها، والإعلام بآلياته المتعددة هو أحد وسائل نقل تلك الثقافة إن لم يكن أعظمها.
صحيح أن الثقافات تداخلت اليوم في الكثير من جوانبها وتشابكت محاورها ومفرداتها نتيجة سرعة الاتصال بحكم التقنيات الحديثة، وهناك قدر مشترك بين ثقافات الأمم والشعوب متفق عليه تقبله العقول الصحيحة والفطر السليمة، إلا أنه تبقى الخصوصية لكل ثقافة قائمة شاخصة تنم عن أهلها وذويها، مبنية على مبادئها وقيمها.
  وكل ثقافة يحرص أصحابها على نشرها وحصر غيرها، ومن أجل ذلك تُتخذ الضوابط والقيود، وتبنى السدود، خوفا من غزو الثقافات، واختراق الأعداء. 
  حتى أصحاب الثقافات الهابطة والقيم السافلة والمبادئ الرخيصة يحرصون على ذلك، ويعملون له ويستخدمون الإعلام لترويج ثقافتهم، ونشرها وكسب مؤيديها.
    وهنا يأتي التساؤل أين أصحاب الثقافات الراقية والقيم العالية والمبادئ الرفيعة حتى ينشروا خيرهم، ويستغلوا إعلامهم، ويروجوا الحقائق، ويكسبوا القريب والبعيد، والحق واضح كالشمس في وضح النهار له جاذبية ولمعان إن أظهره أصحابه، بينما الباطل متردد من غير قبول ونفاذ.
حلول مقترحة: في البدء لابد من وضع عدة مبادئ لوضع الحلول
1-أن الإعلام هو رسالة ليس هدفها الأساسي الترفيه 
2-أن ما نراه على الشاشات من برامج وأفلام وغيرها من الوسائل الإعلامية هي واجهة ونتاج لعمليات أساسية تحدث في الظل يمكن أن تجمل في كلمة واحدة هي الإنتاج بكل ما توحيه من معنى ابتداءً من الأفكار والتأليف والإعداد والتمويل وأن سياسة ما يظهره مقدم البرامج أو المثل على الشاشة نتاج لسياسة الممول والحدود التي يرسمها المعد أو الكاتب
3-أننا يجب أن ننتقل من التركيز على الكم إلى الكيف فرُب قناة واحدة (الجزيرة مثلاً) قد تركت من التأثير ما يتجاوز تأثير عشرات بل مئات القنوات الأخرى
4-أن تكون رسالتنا الإعلامية مكونة من أصالة المضمون ( الواقع والمشاكل إضافة إلى الهوية والثقافة والقيم) ومعاصرة الوسائل من حيث الصورة المرئية والصور الجذابة (الإبهار البصري)
5-أن القطاع الإعلامي هو قطاع مفتوح أمام كل الكفاءات وهو أيضاً قطاع مربح ومجدٍ اقتصادياً
اعتماداً على هذه لمبادئ يتضح لنا بعض الحلول :
* على مستوى قطاع الأعمال:
وهنا نطالب رجال الأعمال أصحاب الضمائر والغيرة على أمتهم مع قلتهم بالدخول والمساهمة في تمويل المشاريع الإعلامية الهادفة ذلك أن سياسة العمل لا يمكن أن تخرج أو تعارض سياسة الممول الذي له القرار الفصل أولا وأخيراً في هذا المجال خاصة ان الكوادر الإنتاجية ابتداء من الفنيين وانتهاء بالممثلين يقدمون خدماتهم لمن يدفع بغض النظر كان العمل ذا رسالة سامية او منحطة ( ترى نفس الممثلة التي تؤدي دور بائعة هوى في عمل تقوم بور صحابية في عمل آخر!)
* على مستوى القنوات الفضائية :
خاصة الدينية منها أرى أن حصر عدد هذه القنوات هو مجدٍ أكثر والاتجاه إلى الإنتاج الفني الأكثر تأثيراً وفائدة بروح أصيلة ومظهر معاصر من أفلام ووثائقيات وحتى كليبات والعبرة في أن تكون الرسالة آمنة لكل أفراد الأسرة القدرة على متابعتها وأن تكون هادفة ( ليست دينية بصورة مباشرة ) تعزز الفضيلة وتحارب الرذيلة خاصة أن ميزانية القناة الواحدة تكفي لإنتاج مسلسلين لأربع سنوياً
* على مستوى الكوادر : نريد كوادر من كافة الاختصاصات على درجة عالية من الاحترافية والخبرة ممزوجة بعقيدة وفكر سليم تؤمن أن الرزق بيد الله وحده وأ ن الضر والنفع بيد الله لكن الوظيفة الضرورية التي لابد منها وبشكل عاجل هي وظيفة الكتابة ذلك ان الأفكار الجيدة والنصوص الرفيعة سوف تجد كل الأبواب مفتوحة لها خاصة أن معظم الإعمال الناجحة كانت عبارة عن نص وسيناريو رفيع المستوى أو رواية لكاتب على درجة عالية من الأدب والإحساس ، ويواكب ذلك تشريعات تجرم دخول غير المؤهلين علميا إلي حقل الإعلام تماما بمثل ما يجرم امتهان مهنة الطب دون مؤهل علمي طبي متخصص وهنا لابد لنقابة الصحفيين أن توسع وتطور دورها لحماية المهنة من الدخلاء عليها صونا لصناعة الرأي العام وحماية لقيم وهوية والمجتمع .
* على مستوى عموم الناس:
الثقافة ثم الثقافة فهي التي تؤمن ما أسميه بالمصفاة الفكرية لكل ما يعرض علينا من وسائل الإعلام أما الثقافة الإسلامية فهي تحصل من ثلاثة مصادر هي العقيدة الإسلامية الصحيحة والتاريخ الإسلامي ومعرفة مجملة بأحكام الشرع ومقاصد الشريعة والحصن الأخير لكل مسلم هو منبر إعلامي وجب على كل مسلم (فرض عين) حضوره في يوم محدد من أيام الأسبوع هل عرفتم ما هو ؟ صلاة الجمعة التي اقتضت حكمة الله البالغة حضورها على كل مسلم مكلف حيث بعلم القيم
                                                                                محمد عبد المنعم إبراهيم 
                                                                                     18 / 6 / 2015 

* الدكتور نبيل علي من مواليد 1يناير 1938 نبيل علي مفكر مصري وعربي بارز وخبير في المعلوماتية‏,‏ بدأ حياته كمهندس طيران ثم عدل مساره ليتخصص في المعلوماتية وبرع فيها 



الإ‘علام بين الواقع والمأمول 3- تحديات الإعلام


الإعلام بين الواقع والمأمول

3- تحديات الإعلام









اللغة أكبر تحدي في المستقبل القريب
لغتنا جريحة والجميع صامتون  لا بل نائمون , حضارة تتمزق ولغتنا الجميلة تندثر في ظل المتواكلون ممن يؤمنون إيمانا أعمي بأن الله سيحفظ تلك اللغة لأنه كتب علي نفسه حفظ كتابه إلي يوم الدين ، إن أكبر محنة تعرضت لها اللغة العربية في القديم والحديث هي محنة الازدواجية اللغوية بين الفصحى والعامية في العالم العربي , فها هي العامية بلهجاتها المتعددة تزاحم الفصحى في كل قطاعات الحياة وقد تضاعفت المشكلة وازدادت خطورة بفعل لغة جديدة مستحدثة هي خليط من لغات كثيرة ابتدعها مستخدمو مواقع التواصل الاجتماعي .
لقد وعد لله تعالى بحفظ اللغة بحفظه للقرآن , ولكن هل حفظت الأمة لغة القرآن فما حال لغتنا الآن في الأسرة والمجتمع ( الجديد يرفض القديم ولا يتواصل معه )  ثم في مؤسسات التعليم ( تدهور حال التعليم وتخلف المناهج والاتجاه إلي اللغات الأجنبية والتعليم الأجنبي ) ثم في وسائل الإعلام مواقع التواصل الاجتماعي  ( الفيس بوك وتويتر وغيرها ) الإعلام مهنة من لا مهنة له تسلل الجهلة والأميون ليقودون مسيرة صناعة الرأي العام ولأن فاقد الشيء لا يعطيه فقد صارت عطايا هذا الجيش الضخم من الإعلاميين الجدد فاقدي العلم والموهبة والتأهيل هي خليط من ثقافاتهم الوضيعة ومفردات سوقية جديدة ولغة الدهماء يشكلون بها ثقافة جديدة دخيلة علي مجتمعاتنا وتم تنصيب قاعدة جديدة تحكمها مقولة أن البضاعة الرديئة تطرد البضاعة الجيدة من السوق وسادت فلسفة القطيع . 
من هنا كان ولابد من التجديد الثقافي والإعلامي .
لماذا التجديد الثقافي؟
قد يكون هذا السؤال ليس مهما كسؤال، لكن الأهمية في أجوبة كثيرة كانت تحاول الرد على هذا الاستفهام.
نحن نرى أن التجديد ضرورة ملحة لـلدواعي الآتية:
1- لدينا إرث ثقافي كبير وهام وتحتاجه الحياة اليوم وإلى الأبد.
2- إن هذا الإرث الثقافي مر بعصور متخلفة متراجعة أضفت الجمود والتقليد على كل المعارف.
3- إن الإفاقة من تلك الحالة جاءت متأخرة، في حين أن غيرنا قد سبق في العلوم النظرية والتطبيقية.
4- إن الإفاقة المتأخرة لم تكن شمولية ولا يزال يصاحبها تعقيدات وعوائق وكتل جليدية لم تذب حتى اللحظة.
5- إن بعض ممارسات التجديد جاءت ناقصة لا تمثل مشروعاً صامداً وقوياً وتكاملياً تراكمياً، وهي تدور بين عفو الخاطر وردود الأفعال.
6- إن الإرادة السياسية لا تزال غير داعمة لمسار التجديد بقدر ما يحتاجه من دعم، ولا تزال تحسب حساباتها وفقاً لمصالحها ومخاوفها.( إلغاء وزارة الإعلام ومضاعفاتها ) 
7- ضعف أو انعدام الثقة في الذات العربية والإسلامية لحمل مبادرة التجديد والتقدم بها للحياة، في حين أن الاتكاء على الغير والسير في ركابه والاستجابة لمطالبه هو مصدر الثقة عند البعض.
8- التحوّلات العالمية السريعة والقوية والخطيرة، والعيش في عصر معلوماتي لا محدودية له، كل ذلك حتم خيار التجديد وليس إلاّ التجديد، وأنا قد عمدت إلى جعل هذا السبب هو الأخير بخلاف الذين يقدمونه أولاً؛ لأنه في الحقيقة يمثل سبباً ونتيجة في آن واحد، فقد جعلنا أمام واقع مختلف، وجعل هذا السبب هو الدافع الرئيس سيجعل المشروع التجديدي ردة فعل في أكثر أحواله، ونحن نريد أن يكون الدافع الأهم هو الإيمان بقوة ثقافتنا وبقدراتنا وحاجتنا الذاتية، وما تحدده مصالحنا ورؤيتنا.

التجديد الثقافي بين الأصالة والمعاصرة:

هل يمكن تجديد الثقافة العربية الإسلامية على الرغم من مكوناتها ذات الخصوصية والارتباط الوثيق بالهوية؟ بمعنى هل يمكن تجديد الثقافة، وفي الوقت نفسه نحافظ على هويتنا ونتعايش عالمياً في ظل وجود ثوابت تاريخية في تلك الثقافة ؟
إن الثنائية بين الأصالة والمعاصرة شكّلت حاجزاً كبيراً أمام مجتمعاتنا العربية والإسلامية, لكنها عند التأمل ليست ثنائية خانقة -كما يتوهمها البعض- بل هي من الثنائيات التكاملية ولكن الاختناق إن وُجد فهو في سوء الفهم وقصور العقل عن إدراك المعنى, أو أن يكون مردّ ذلك إلى حداثة التجربة ؛ لأن الجمود الفكري الذي غطى -ولسنوات طويلة- قد سلب العقول وظيفتها وعطّلها من دورها.
في الندوة التي نظمتها منظمة (الإسيسكو) تحت عنوان: (ثقافة التغيير بين التأصيل والتجديد) أجاب الدكتور سعيد بن سعيد العلوي عميد كلية الآداب بجامعة محمد الخامس بالمغرب بجواب يكشف عن عدم تعارض الأصالة مع المعاصرة في عملية التجديد، ولكن على أساس الالتزام بثلاثة شروط:
1- التسليم بوجوب التغيير وحتميته في صيرورة التحديث؛ أي الإيمان بأنه ضرورة لا محيض عنها أو كما يعبر الفقهاء بقولهم : (تَحْدُثُ للناس أقضية بقدر ما يحدثون من الفجور) وهي المقولة الشهيرة لخامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز ..
2- لا بد من التجديد الديني الحق على أساس الالتزام بشروط هذا التجديد، ومن يقوم به ومن يحق له الحديث عنه.
3- شرط المصالحة مع الذات وذلك لأن الإسلام قد أصبح اليوم موضوع جدل كبير، وأن هناك خلطاً كبيراً في المفاهيم بين الإسلام والمسلمين والإسلاميين وسواء كان هذا الخلط مقصوداً أو غير مقصود فإنه يشكل جناية على الإسلام.
وأعتقد أن هذه الشروط التي ذكرها دعاة الدخول إلي المعاصرة، ويبقى الذين يجاهدون في غير عدو خارج المعادلة، وعلى المهتمين بالإصلاح والتجديد السير قدماً في مراحل الطريق وفق خرائطه المتعددة . 

 رهانات التجديد الثقافي:
لا يزال خطاب التجديد الثقافي رهيناً لعوامل كثيرة ومهمة، ولا يمكن له تجاهلها وغض الطرف عنها ومن ذلك:
1- المؤثرات العالمية والتي تعتمد (القوة والمصلحية والسرعة) في حركاتها، وهذا من أكبر التحديات التي تواجه الخطاب التجديدي، لا سيما وهو يعاني من التأخر الزمني والعقبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعرفية، مع غياب للعمل المؤسساتي؛ إذ لا يزال في معظمه أعمالاً فردية متقطعة وفاقدة للإستراتيجية البعيدة؛ إذ لا تعتمد على الدراسات والأبحاث. ( موقف كتاب - التنوير – دعاة التمسك بالعلم من أمثال محمد الباز وخالد منتصر وغيرهم )
إن لدى الخطاب التجديدي مهام صعبة للغاية تجاه المؤثرات الدولية وليست الأولوية هي الصدام مع تلك المؤثرات لصدّ المطامع والمصالح العالمية في المجتمعات الإقليمية بل إن الأولوية - ولو من وجهة نظري ـ في البحث عن موقع عالمي مؤثر في التغيرات والتحولات، بدلاً من القعود في مدرجات المتفرجين أو متاريس الممانعين والمعترضين . فإن لدينا في الثقافة العربية والإسلامية منطلقات عالمية ولدينا من الحكمة ما تتوق له البشرية، لكن الكثير من المفكرين والدعاة هم  في الحقيقة (حامل فقه ليس بفقيه).
2- العادات والطبائع الاجتماعية ؛ إذ يشكل التراكم الاجتماعي الكثير من العادات التي ترسخت بمرور الزمن لتكون أشبه بالمعتقدات الدينية وهذه العادات ـ بعضها غير صحيح ـ تقف عائقاً في وجه التجديد الثقافي الذي يفترض أنه ليس في برنامجه فقدان المجتمع وخسرانه، بل يسعى إلى التصالح معه، وكسب وده في توازن حكيم يجلب المصلحة، ويدرأ المفسدة، إذ (ليس الفقيه من يعرف الخير من الشر، ولكن الفقيه من يعرف خير الخيرين وشرّ الشرّيرين) كما يعبر ابن تيمية.
بيدا أن المجتمعات اليوم قد تأثرت كثيراً بالفعل الإعلامي الواسع وتأثرت كثيراً بخطابات متنوعة ( إثارة قضايا فقهية غير مطروحة وغير مجدية إلا لأعداء العقيدة ) ، وهي الآن لا تتمسك بالممانعة كسابق حالها، بقدر ما تولّد لديها من أسئلة كثيرة وكبيرة، وهي تنشد الأجوبة ولا أجوبة كما أن الثورة المعلوماتية التي دخلت كل بيت في المجتمع واكبت نشأة جيل جديد يقرأ الحياة من منظور آخر، هو يحتاج إلى شيء من الأصالة ليمزجها مع عصره المتحول؛ فهو أيضاً لديه أسئلة و ينشد أجوبة، لكن أسئلة الجيل الجديد ستكون محرجة ؛ لأنه اكتشف بعض زيف الثقافة المتراكمة، وأصبح يسأل ويحاكم في آن واحد، ويجب ألاّ تضيق صدورنا بمحاكماته، بل علينا أن نعود إلى الذات التراثية نصارحها وننقدها ونتجادل معها، فهل لن يصح إلاّ الصحيح ؟  ( جيل شباب يناير يرى أن شيوخ المجتمع هم من أتاحوا لمبارك الفساد عبر ثلاثين عاما )
3- السياسات والأنظمة التي لا تحدثها إلاً الكوارث والحروب والثورات المعاصرة ، ولا تسوقها المصالح كطبيعة للسياسة. إن هذه النماذج من السياسات تحبذ اجترار الثقافات القديمة دون إجراءات التحديث لأنها ترفضها باعتبارها مسئولة عما وقع من تخلف ؛ ولا أدل على ذلك من مخرجات التعليم بكل مستوياته ومخرجات دور الإفتاء وإفرازات الإعلام.
إن على هذه السياسات أن تدرك قبل غيرها أنه لا ممنوع في عالم الاتصال وأنه ليس من السياسة في شيء أن تتحدث وتتجدد ثقافة المجتمع دون مواكبة الدولة بأنظمتها ومناهجها وليس صحيحاً أن السياسة دائماً تعرف مصلحتها؛ فلها ممارساتها الخاطئة وتجاربها الفاشلة ، فلا عصمة لها .
ونحن ندرك أنه ليس كل السياسة شراً، وأن هناك مناطق في السياسة يمكن التعامل معها وإثراؤها وتحديثها، وهي تنشد المساعدة، وتطلب التعاون؛ فعلى مؤسسات التجديد ألاّ تسرف في إساءة الظن بكل ما هو سياسي، وأن تبحث عن المناطق الخضراء وسط السياسات، وتعمل على مد جسور التعاون وتوسيع الإيجابيات؛ لأننا بحاجة إلى أي إضافة جميلة من أي مصدر كان، وأعتقد في هذا السياق أن ما يُثار حول (مثقف السلطة وسلطة المثقف) قد بولغ فيه واستثمر سياسياً لا فكرياً ، وما كُتب فيه لا يخرج عن توصيف مشكلة معظم أجزائها ساكن في الذهن لا يحسّ به العاملون في أرض الواقع.

شروط التجديد:

التجديد ليس سلعة تستورد وليس عملية فورية وليدة لحظة, ولكنه مشروع حياة لذا فإن شروطه ليست بالتعجيزية، ولكنها إستراتيجية تمنحه الرؤية وتريه الأفق، وهي شروط لديها المرونة الكافية :
أولاً: النظر إلى التجديد الثقافي بصفته سنة الحياة وطبيعة الوجود.
ثانياً: الاستمرارية والتواصل ؛ فالأعمال المبتورة والمؤقتة وسريعة التحضير كلها ليست مشاريع تجديدية، بل هي مجمل ردود أفعال أو سدّ حاجات نفسية.
ثالثاً: الهضم السليم للمعطيات المختلفة والقبول بالتعددية والالتزام بالاعتراف والتعرّف على الآخر؛ إذ ليس من التجديد الإلغاء والإقصاء. ومن هنا فلا بد من توسيع دائرة الثقافة والمثقفين، والابتعاد عن ضيق الأفق المعرفي، ومحدودية المشاركة؛ أي أنه يجب ألاّ يكون المثقف هو المشكلة والعبء على كاهل المجتمع، كما هو حال بعض النخب، وهذا يقودني إلى الحديث عن:
التجديد رسالة المثقف : لقد غرق البعض في جدليات لا تنتهي وآخرون بلغوا من الثقافة قمماً، ثم لما أعادوا النظر في واقعهم ارتدّ إليهم البصر خاسئاً وهو حسير، وأُصيبوا بالقلق والحيرة والاكتئاب. إن المثقف الذي يجعل من التجديد رسالته في الحياة قد اكتسب الثقة اللازمة بنفسه وبمشروعه ، وسوف يعمل على تحديد رؤية فكرية واضحة المعالم تبرز منظوره، وتخطط له، وتبتكر أو تتعاون مع وسائل للتنفيذ. والمثقف صاحب الرسالة يحمل المبادرات الصحيحة، ويفعلها؛ فهو يستثمر الفرص ويعيشها، ولا ينتظر من الآخرين إتاحة الفرصة له؛ لأن ذلك لا يتحقق في عالم مليء بالأعمال والأعمال المعرفية بالذات.
                                                                    محمد عبد المنعم إبراهيم 
                                                                      18 / 6 / 2015 



الإعلام بين الواقع والمأمول 2- صناعة الإعلام وصناعه


الإعلام بين الواقع والمأمول
2- صناعة الإعلام وصناعه










قالت الإعلامية الدكتورة درية شرف الدين وزيرة الإعلام السابقة إن الإعلام لا يصنع الأحداث بل يقوم بنقلها، مشيرة إلي أن مصر تمر بفترة حرجة تتطلب من الإعلامي أن يعمل بلا أذن وبلا عيون حتى لا يوصف بالمضلل. جاء ذلك خلال مؤتمر "المنظور القيمى لأخلاقيات الواقع الإعلامي بين الواقع و المأمول" الذي نظمته جامعة فاروس بالإسكندرية وهو قول مرسل علي عواهنه لا يتصف بالعلمية فقد ثبت يقينا أن الإعلام في عصرنا الراهن يصنع الأحداث بشكل مباشر ويتدخل في توجيه الأحداث للوجهة التي يرمي إليها أصحاب الرسالة الإعلامية الموجهة؛
وفي دراسة أجرتها ( ميكروسوفت ) تقول : ( إن العالم سيشهد طباعة آخر صحيفة ورقية في عام 2018 على الأقل ، لذا فإنه ليس من المبالغة أن نتحدث عن إمكانية حدوث توقعات ميكروسوفت طالما سارت الأمور على وتيرتها الحالية وطالما بقيت الصحافة المطبوعة تعنى بالخبر الذي (يُحرَق ) بلغة الصحافة قبل طباعته بأربع وعشرين ساعة  من قبيل الصحافة الالكترونية )
المميزات التنافسية للصحافة الالكترونية
يكفي أن الصحافة الإلكترونية تتمتع بالحرية الكاملة التي يتمتع بها القارئ والكاتب على الإنترنت على خلاف الصحافة الورقية التي تكون في العادة قد تم تعديل مقالاتها من قبل الناشر أو رئيس التحرير حتى تلائم السياسة التحريرية للصحيفة
بالإضافة إلى مجموعة من المميزات التي يمكن تلخيصها كالتالي  :
1- التفاعلية: وهي مدى قدرة الشخص على الدخول في معالجة إعلامية بصفة نشطة من خلال التفاعل مع الرسائل الإعلامية أو المعلنين . وتعني أيضا الاتصال في اتجاهين بين المصدر والمتلقي أو بصفة أوسع الاتصال المتعدد الاتجاهات بين أي عدد من المصادر والمتلقين.
فالاتصال عبر الحاسبات يقدم أشكالا متعددة من التفاعلية، مثل البحث عن المضامين وإتاحة رد الفعل أو رجع الصدى للمواقع الإعلانية، وبالمقارنة بوسائل الإعلام المطبوعة والإذاعة ، فان مستخدمي الانترنت يسهل عليهم الاتصال بالقائمين بالاتصال من خلال قوائم البريد الالكتروني ذات الوصلات الفائقة للمحررين والمخرجين.
واليوم، وبالإضافة للبريد الالكتروني، تقوم المواقع الإخبارية الالكترونية بتجريب أساليب مختلفة لقنوات رد الفعل، مثل:الخطابات الالكترونية إلى المحرر، وغرف الحوار الحي، واللوحات الإخبارية، وندوات النقاش، والأسئلة الموجهة إلى الخبراء وعناصر التقييم السريعة الأخري التي يبتكرها القائمون علي تلك الوسائط .
2- الجاذبية الناتجة عن التعامل مع أكثر من ساحة، إذ يتمكن المتصفح لها من قراءة الأحداث و مشاهدتها و الاستماع إليها في آن واحد.
3- السرعة في تلقي الخبر العاجل في وقته مشفوعا بفيلم الفيديو معزز بصور حية، مما يدعم مصداقية الخبر و ذلك بدلا من الانتظار إلى اليوم الموالي لقراءة العدد الجديد من الصحيفة اليومية
4- التحرر من مقص الرقيب الذي قد يمنع نشر بعض الأخبار أو الصور في الصح
5- الاقتصاد في النفقات بالاستغناء عن أطنان الورق و مستلزمات الطباعة المستخدمة في الصحافة الورقية. وإعفاء القارئ من دفع ثمن الصحف التي يطلع عليها. بينما لا يحتاج من يرغب التعامل مع الصحافة الإلكترونية، سوى لجهاز كمبيوتر ومجموعة من البرامج التي يتم تركيبها لمرة واحدة
6- حماية البيئة من الكميات الهائلة من الصحف المقروءة المطبوعة بالأحبار السامة، ومن ضجيج مطابعها و فضلات صناعتها
7- إمكانية الاطلاع على عدد من الصحف بدلا من الاكتفاء بالصحيفة الواحدة
8- تجاوز حاجز المكان و إمكانية الاطلاع على الصحف الأجنبية بصرف النظر عن بعد مكان صدورها
9- سرعة وسهولة تداول البيانات على الإنترنت بفارق كبير عن الصحافة الورقية التي يجب أن تقوم بانتظارها حتى صباح اليوم التالي
10- حدوث تفاعل مباشر بين القارئ والكاتب، حيث يمكنهما أن يلتقيا في التو واللحظة معاً
11- أتاحت الصحافة الإلكترونية إمكانية مشاركة مباشرة للقارئ في عملية التحرير. من خلال التعليقات التي توفرها الكثير من الصحف الإلكترونية للقراء، بحيث يمكن للمشارك أن يكتب تعليقه على أي مقال أو موضوع، ويقوم بالنشر لنفسه في نفس اللحظة
12- التكاليف المالية الضخمة عند الرغبة في إصدار صحيفة ورقية بدءاً من الحصول على ترخيص مروراً بالإجراءات الرسمية والتنظيمية. بينما الوضع في الصحافة الإلكترونية مختلف تماماً حيث لا يستلزم الأمر سوى مبالغ مالية قليلة لتصدر الصحيفة الإلكترونية بكل سهولة      
13- عدم حاجة الصحف الإلكترونية إلى مقر موحد لجميع العاملين، إنما يمكن إصدار الصحف الإلكترونية بفريق عمل متفرق في أنحاء العالم.
14- الآنية فقد أجبرت الصحافة على الخط الصحفي على المعايشة المستمرة للأحداث والمتابعة الآنية لما يستجد من معلومات وسهلت عملية التدخل لتجديد المحتوى.
هذه المميزات وغيرها مثلت بالفعل تحديا للمؤسسات الصحفية الورقية ، وأرغمها على ضرورة مواكبة هذا التطور التكنولوجي و تحديث منتجاتها حسب ما يخدم لغة العصر، و هذا بالفعل ما جعل معظم الصحف تتواجد على الشبكة بمختلف أشكالها، سواء بشكل مخالف عن النسخة المطبوعة أو كصورة الكترونية طبق الأصل عن الصورة المطبوعة 

الإعلام الديني :
ركن ركين في البناء الإعلامي المعاصر يلعب دورا غاية في  الأهمية والخطورة في بناء هوية هذه الأمة، وصرح لا يستهان به تثقيفيا وتربويا بل وترفيهيا، خاصة وأن الإعلام عامة صار يستحوذ على وقت شريحة كبيرة من الناس، والإعلام الإسلامي خاصة يتابعه المسلمون بقلوبهم قبل عقولهم، لأن التدين مغروس بالفطرة في نفوس الجميع ، لذلك يقع على عاتق منسوبي الإعلام الإسلامي حمل كبير ورسالة خطيرة وأمانة عظيمة تجاه هذه الأمة

لكن التحديات التي تواجه الإعلام الإسلامي تحديات جسيمة، لأنه ابتداء ليس المتواجد الوحيد في الساحة الإعلامية بل هناك إعلام منافس وهناك أيضا الإعلام المعادي، بل يضاف إلى ذلك كافة الجوانب التي تمس حياة المتلقي، وكل ما تحتاجه الأسرة والمجتمع المسلم، كباره وصغاره، رجاله ونسائه، على اختلاف طبقاتهم وثقافاتهم .. إنه إعلام يقوم على ثلاث محاور رئيسية: تشكيل الوعي ، التنشئة الاجتماعية ، التبليغ والاتصال الإنساني.
تحديات و عقبات
ومن أهم التحديات التي تواجه الإعلام الإسلامي أن وعي الإسلاميين المعاصرين بأهمية ودور الإعلام جاء متأخرا إلى حد ما، ولم يواكب التطور التقني والمهني للطوفان الإعلامي المعاصر، بل إن بدايات الإعلام الإسلامي لم يواكبها دراسات نظرية تأصيلية ولا برامج تدريبية عملية، وغلب عليه الاجتهادات الفردية والرؤى الشخصية، وبالتالي واجه صعوبات عديدة على مستوى نقص الكوادر الإعلامية والخطة الشمولية التي تستوعب كل متطلبات المجتمع الإعلامية، واقتصرت البدايات الأولى على الإعلام الوعظي والتربوي كأشبه ما يكون بخطب الجمعة ودروس المساجد مع الفارق في وسيلة الاتصال الجماهيري كالفضائيات والإنترنت. أما الإعلام الهادف الشمولي الذي ينضبط بضوابط الشرع فما زال يسير بخطوات متعثرة خاصة في المجال الترفيهي.

ومن العقبات والتحديات التي تواجه الإعلام الإسلامي قيود السلطات الرسمية في بعض الأقطار الإسلامية، ومنها عقبات في التمويل واقتصاره في غالب الأحيان على المؤسسات الخيرية، وغياب الخطط والاستراتيجيات المتكاملة التي تتبناها مجموعات مهنية متعددة المهام تطرح بدورها الجهود الفردية والرؤى الأحادية، أيضا يواجه الإعلام الإسلامي ندرة في البحوث والدراسات المتعلقة بحيثياته، ومشكلة في التنسيق بين العلماء والدعاة وبين رجال التربية والمثقفين ليأتي مشروع الإعلام الإسلامي متكاملا في موضوعه يلبي احتياجات ورغبات كل الشرائح المستهدفة دينيا وتربويا وتثقيفيا وترفيهيا، وأن تُصاغ الرسائل الإعلامية في قوالب فنية متنوعة ومشوقة وجذابة بدلا من أن تصب في أنماط جامدة ومكررة تفتقر إلى الجاذبية والتشويق، مع ضرورة مراعاة الضوابط الشرعية والاجتماعية العامة وعدم تجاوزها، ناهيك عن غياب الكوادر الإعلامية المدربة القادرة علي التعامل مع مفردات الموقف العام والمشاركة بإيجابية في صنع الرأي العام المستنير حقا . 
إننا في سياق البحث عن تطوير الإعلام الإسلامي، الذي يعد - للأسف - منفعلا وليس فاعلا، ولا يتصدى لما يحاك للأمة من قبل أعدائها بالقدر الكافي والوافي ، إننا نواجه غزوا واحتلالا ثقافيا وفكريا وحضاريا واقتصاديا بشعا بشمل كل جوانب الحياة . ولذا، فإن مهمة الإعلام الإسلامي تتجاوز التثقيف والتوعية وفتح القنوات المعرفية أمام أجيال المسلمين، إلى التحفز ووضع الخطط المناسبة في التصدي للغزو الفكري والثقافي والأخلاقي الذي تتعرض له الأمة الإسلامية، وسط شيوع وسائل الإعلام العابرة للقارات، والتي تؤثر في المجتمعات وتنقل أفكار وفلسفات وأخلاقيات شعوب العالم إلى كل مكان .
                                                                                                                                                                محمد عبد المنعم إبراهيم 
                                                                         18 / 6 / 2015                             


الإعلام بين الواقع والمأمول 1-واقع الإعلام اليوم

الإعلام بين الواقع والمأمول

1-واقع الإعلام اليوم







دشن بعض الأصدقاء في مدينة الزرقا صالونا يضم قامات رفيعة من المثقفين من أصحاب الإنجازات الرائعة في مجتمعهم سواء قبل تقاعدهم أو حتي بعد التقاعاد وأطلقوا عليه صالون الأربعاء وقد شرفوني بطلب عقد لقاء تحت عنوان الإعلام والثقافة بين الواقع والمأمول فأعددت بحثا مطولا عن رؤيتي في هذا الموضوع مساهمة متواضعة مني في أنشطة هذا الصالون وكان الموضوع التالي مقسما علي عدة مقالات حتي يسهل قراءته 
واقع الإعلام اليوم 
في آخر الإحصائيات بلغ عدد القنوات الفضائية العربية نحو700 قناة كما تشير التقديرات إلى أن حجم الإنتاج التلفزيوني من المسلسلات خلال شهر رمضان وحده بين 350-500 مليون دولار في ظل هذه الأرقام هنالك عدة معطيات يجب أخذها في الاعتبار:
أولا:في هذا العصر الذي أصبحت المعرفة بلا حدود سمته الأساسية يبلغ متوسط قراءة الفرد العربي زمنيا 6 دقائق في السنة مقابل 11ساعة في المتوسط بالغرب
في المجتمع العربي كغيره من المجتمعات أدى ذلك إلى جعل التلفاز العنصر الأساسي في صناعة الوعي لدى الإنسان العربي ومصدر المعلومة الوحيد الذي يعتمد عليه في صناعة الآراء والمواقف
ثانيا:الغزو الفضائي الغربي الذي يكمل حلقات غزو العرب والمسلمين وتبعيتهم للمركز الغربي سياسيا واقتصاديا وثقافيا عبر وكلاء محليين ينقلون لنا نتاج الغرب من الأفلام والمسلسلات والبرامج المنوعة تنقل أنماطا من العيش والتفكير والقيم ليست غريبة وحسب بل خطيرة بما تعززه من أعلاء الفردية والأنانية والمادية والداروينية الاجتماعية (البقاء للأقوى) وإطلاق العنان للغريزة بدلا من مثل التراحم والإحسان والتكافل الاجتماعي والإيثار والعفة وغيرها من القيم الأخلاقية السامية
ثالثا: القنوات الفضائية العربية التي انتشرت انتشارا فطريا كغيرها من الظواهر في الوطن العربي حيث نجد زيادة كمية هائلة في أعداد القنوات لا يواكبها تحسن كيفي في المحتوى ، بل على العكس تغلب الرداءة على معظم هذه القنوات التي يركز معظمها على الفيديو كليبات  والأغاني التي تحط بالإنسان وقيمه وتثير فيه الغرائز والشهوات إلى قنوات المسابقات والدجل والشعوذة (التداوي) التي تنهب أموال المشاهد الذي ينجذب لها طمعا بالفوز أو الشفاء من غير أهله ، أو قنوات الوكالة المحلية للغرب التي تنقل لنا كل ما ينتجه الغرب
رابعاً:المسلسلات وشركات الإنتاج التي تضاعف عددها في السنوات الأخيرة حيث يغلب الطابع التجاري على سياسة هذه الشركات مما ينعكس بشكل أو بآخر على مضامين إنتاجها فهي تسعى للربح أولا وأخيرا سواء كان على حساب تزييف وتشويه وعي المشاهد العربي أم لم يكن المهم الربح لذلك نجد التركيز على علاقات الحب(والعلاقات الأخرى الغير شرعية أكثر من الشرعية) بين الجنسين أكثر من غيرها وعلى تضمين المسلسل مشاهد ومضامين(أكثر جرأة ) كما يقولون من الدعارة والكازينوهات والشذوذ الجنسي اعتمادا على المبدأ التجاري (كل ممنوع مرغوب) عدا طرح لقضايا مثيرة للجدل بشكل بعيد عن الإنصاف والموضوعية بهدف أثارة الضجة و جذب أعداد اكبر من المشاهدين كما حدث في الآونة الأخيرة من ظاهرة مهاجمة الإسلام قبلَ المسلمين من خلال إظهار التدين بأقبح الأشكال والصور التي يمكن للمرء أن يتخيلها حتى أصبحنا نحتاج لجاك شاهين أن ينتج لنا وثائقيا يسميه (المسلمون الأشرار) في الإعلام العربي على غرار الوثائقي الذي أنتجه(العرب الأشرار) في السينما الأمريكية حيث لا تشاهد في مسلسل أنسانا متدينا أو امرأة محجبة (التي نادرا ما نراها في مسلسل أصلا)إلا كان التعصب والجهل والانغلاق والرجعية السمة الواصمة لهذه الشخصية حيث انتقل الهجوم على الإسلام إلى عقر دار المسلمين أنفسهم بعد أن كان محصورا في الغرب وحده
وعندما يُسأل القائمون على مثل هذا الإنتاج سوف يستمع المرء للجواب نفسه تقريبا ((نحن نكشف عن واقع وظاهرة سلبية في المجتمع لابد من فضحها وإخراجها لدائرة الضوء)) أو يقولون ((إن ما نعرضه هو عبارة عن وجهة نظر والمشاهد هو الحكم فيما يعرض عليه)) محاولين تبرير تجاريتهم أو وكالتهم للغرب
عندما تنتقدون الدين والمتدينين ذلك أن مجرد عرضها على الفضائيات سوف تصنع ظاهرة رأي لواقع متخيل لا ظاهرة حقيقية حيث ذكر الكثيرون أنهم بعد مشاهدتهم لأحد المسلسلات المسيئة أنهم يشعرون بالتوجس والقلق عند مشاهدة امرأة محجبة أو إنسان ملتحٍ ، أما عن انتشار ظاهرة الجريمة والدعارة والعلاقات غير المشروعة فإن مثل هذه الظواهر أصبحت مادة في كثير من المسلسلات حني أصبح طرحها ظاهرة بحد ذاته وغالبا لا يرافق الحديث عن هذه الظواهر السلبية في المجتمع حلولاً منطقية مما ينعكس على المشاهد من استمراء هذه الظواهر وتقبلها في المستقبل حيث أصبحت تعتبر نوعا من إشاعة الفاحشة التي هي مناط العقوبة في الإسلام في حالة جريمة الزنا حيث أن العقوبة فيها تتوجب حال وجود أربعة من الشهود عليها أي أن أنها أشيعت بين الناس لذلك قال تعالى((أن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون)) سورة النور  ، أما من حيث اعتبارها وجهة نظر فإن هذه المقولة بالذات تكشف التحيز وانعدام المصداقية في مادة العمل الفني فهم يبعثون برسائل مرئية إلى مشاهد عديم الثقافة غالباً يعتمد عليهم وعلى مادتهم التجارية (أو المستوردة فكريا من الغرب) في صناعة وعيه ومواقفه وآرائه
خامساً:الإعلام والإسلام
المفترض في تلك القنوات المتعددة بشكل عام الحفاظ على القيم والهوية إلا أنها تعاني من الرتابة والتقليدية في الطرح (ستعرف أنها قناة دينية عندما ترى الشيخ يتحدث لساعات أمام الشاشة!) ناهيك عن التكرار (الاستنساخ) الذي أصابها فقد ترى الشيخ نفسه على 3أو 4قنوات في نفس الوقت لقد فات القائمين على مثل هذه القنوات -إلا من رحم ربك-أن الرسول الكريم صل الله عليه وسلم قد استخدم كل الوسائل الإعلامية الممكنة في عصره لخدمة الدعوة الإسلامية فها هو يقول لحسان بن ثابت وهو يهجو المشركين في حربه الإعلامية ضدهم ((اهجهم وروح القدس معك)) ولو تيسر له ما بين أيدينا من الوسائل في إيصال الدعوة لما عدِمَها
وأكثر الأشياء سلبية للقنوات الدينية فهي فوضى الفتاوى العابرة للبلدان ذلك أن الفتوى دائما مرهونة بالشخص والمكان والزمان والظروف ومن الخطأ الكبير إشاعتها على العلن مما يؤدي إلى التعميم الخاطئ من الجهال إضافة التضارب في الفتاوى الذي قد يلمسه المشاهدون دون الانتباه أن الفتوى شخصية مخصوصة بحال المفتي والمستفتي وحدهما فقط دون المشاهدين أما الدراما ذات الطابع الديني فإنها غالباً تقتصر على الأعمال التاريخية وكأن الإسلام أصبح ماضياً غابراً وتراثاً قديماً قد ولى ونحن نكتفي بالسرد لذلك الماضي وحسب
ودائمًا بين الواقع والمأمول توجد فجوات على المعنيين بالأمر العمل على تذويبها, أو تقريبها, ولا أقول أنها ستختفي لأن طبيعة الزمان أن يتغير, والأجيال أن تتطور, وهذه سنة الحياة.

                                                                                 محمد عبد المنعم
                                                                                18 يونيو 2015