الأربعاء، 14 يناير 2015

1- الثقافة وآليات التغيير

بحث بعنوان ( الثقافة وآليات التغيير ) طلب مني صلاح مصباح رئيس نادي الأدب بدمياط أن أكتبه لكي يقدم في مؤتمر اليوم الواحد لأدباء دمياط الذى كان مقررا أن يعقد يوم 3 فبراير 2015 ولكن مصباح فاجأنا باستقالته من رئاسة نادي الأدب وبالتالي أصبح المؤتمر في علم الغيب فآثرت نشره وقسمته علي 6 مقالات لكي يسهل قراءته لمن يريد 








الثقافة وآليات التغيير



عندما تغيب الرؤى تغيب الأهداف ويضيع الطريق وتبدأ المتاهة ومن ثم تنمو كيانات عشوائية شيطانية وهذا باختصار شديد هو ما نعاني منه في مصر في العقود الثلاثة الأخيرة تحديدا وما نزال وعندما يغيب التخطيط يكون الارتجال هو سيد الموقف فتضيع الجهود ويخيم الظلام وهو ما يحدث الآن .
وفي ظل هذا المناخ تسيطر قلة من المثقفين عادة ذوي الصوت العالي والمسموع وتتكون النخب وتمارس دورها في صناعة الطغاة بعيدا عن الجماهير المغيبة التي لا تملك سوي حق التصفيق والهتاف بينما يتستر أصحاب تلك النخب وراء ازدواجية الصراع اللا محدود بين المصالح الذاتية والمصلحة العامة لجموع الشعب التي تكتفي عادة بالصراخ ( بالروح بالدم نفديك يا زعيم ) أي زعيم سياسيا كان أو دينيا رئيس دولة أو رئيس حكومة أو حتى ناظر مدرسة ورئيس مصلحة أو مجلس قرية ، وهكذا يساهم المثقفون بشكل أو بآخر في صناعة الطغيان وربما تأليهه ليصبح الزعيم أيا من يكون مبعوثا للعناية الإلهية يري ما لا نراه ويفكر أفضل مما نفكر ونكتفي برؤيته فهو الوحيد صاحب الرؤية . فتصاغ له الأشعار وتقام التماثيل وترسم اللوحات والجداريات وتدبج المقالات وتنظم الندوات ؛
كم من الجرائم ارتكبها المثقفون الذين توافدوا على مهرجانات الزعماء الطغاة، ومجلاتهم وجرائدهم، واستبدلوا بخبز مأساتنا الإقامة في فنادق الدكتاتوريات، يحيون ليالي الكذب ويكتبون بالزيف تاريخ مجد خائب، وفي أول مواجهة حقيقية مع العدو أو مع الزمن يفر الزعيم أو يسقط متهاويا أسرع مما كان يظنه المختلفون معه فكم من قادة أفذاذ فروا في المعارك الحقيقية وكم من زعماء تهاوت نظمهم التي اتضح أنها كانت نظما من خيال تعيش بيوت أوهن من بيوت العنكبوت ، ذلك لأن ثقافتنا العربية تاريخيا وربما المصرية الفرعونية أيضا توارثت وحتى الآن عقيدة القائد الفرد بينما من سبقونا من الأمم يقيمون حضاراتهم علي عقيدة النظام ( System  ) فعندما يسقط الزعيم عندنا تسقط الأمة ونبحث عن طاغية جديد نصنعه ونؤلهه ثم نعبده حتى يسقط هو الآخر ، بينما عندهم إذا سقط الزعيم تبقي الأمة بل ربما تنهض لتواصل التقدم بعلاج أخطاء من سبق .

هذا ما فعلناه ويفعله وراءنا باقي المثقفون العرب منذ أحمس حتى عبد الناصر والسادات ومبارك وهذا أيضا ما فعلناه بالتبعية في مضمار الثقافة نفسها منذ وعينا وعرفنا كلمة ثقافة وسعينا لاختيار معني لها يحقق طموحاتنا فصنعنا رموزنا ثم حطمناها كما فعل بجماليون توفيق الحكيم وانهلنا بمطارق الهدم علي رؤوس العمالقة وانفرد الأقزام بالساحة فصنعنا منهم عمالقة لأنهم صاروا بما فعلنا عمالقة في زمن ساد فيه الأقزام كما حدث لجاليفر في رواية جوناثان سويفت .

2- الثقافة والمثقف ( الثقافة وآليات التغيير )

الثقافة والمثقف
الثقافة هي التراث الفكري الذي تتميز به جميع الأمم عن بعضها البعض. حيث تختلف طبيعة الثقافة وخصائصها من مجتمع لمجتمع آخر، وذلك للارتباط الوثيق الذي يربط بين واقع الأمة وتراثها الفكري والحضاري، كما أن الثقافة تنمو مع النمو الحضاري للأمة، وكما أنها تتراجع مع ذلك التخلف الذي يصيب تلك الأمة، وهي التي تعبر عن مكانتها الحضارية بالثقافة التي وصلت إليها.
ولأن الثقافة هي مجموع العقائد والقيم والقواعد التي يقبلها ويمتثل لها أفراد المجتمع. ذلك أن الثقافة هي قوة وسلطة موجهة لسلوك المجتمع ، تحدد لأفراده تصوراتهم عن أنفسهم والعالم من حولهم وتحدد لهم ما يحبون ويكرهون ويرغبون فيه ويرغبون عنه كنوع الطعام الذي يأكلون ، ونوع الملابس التي يرتدون ، والطريقة التي يتكلمون بها ، والألعاب الرياضية التي يمارسونها والأبطال التاريخيين الذين خلدوا في ضمائرهم ، والرموز التي يتخذونها للإفصاح عن مكنونات أنفسهم ونحو ذلك .
والثقافة تتكون من خلال النمو التراكمي على المدى الطويل : بمعنى أن الثقافة ليست علوماً أو معارف جاهزة يمكن للمجتمع أن يحصل عليها ويستوعبها في زمن قصير ، وإنما تتراكم عبر مراحل طويلة من الزمن ، تنتقل من جيل إلى جيل عبر التنشئة الاجتماعية : فثقافة المجتمع تنتقل إلى أفراده الجدد عبر التنشئة الاجتماعية ، حيث يكتسب الأطفال خلال مراحل نموهم الذوق العام للمجتمع . ونتيجة للانحباس الفكري والسلوكي في ثقافتنا زمن الاحتلال فإننا علي النقيض من ذلك في زمن الانفتاح الجنوني الذي يؤدي إلي اللا هوية ، وبين الانغلاق الغبيِّ الذي لا يحسن سوى التكرار بلا ذاتية، فكادت الثقافة تَموت عندنا لأنَّها قليلة التفكير، وفقدْنا المعالم، وسادت ثقافة الإلْغاء والاستبعاد.ومع ثقافة ا لانفتاح كادت تضيع الهوية ومعالم ثقافتنا الشخصية ، فكل مبدع لا يرى إلا فضاءه هو الذي لا يتسع لصاحب رأي مخالف أو طرح مغاير فسادت الأنا وعلت وقنعنا بانتظار السيد الأوحد الأعلم الأقوى لهذا لا تعرف دنيانا نحن - في الغالب - سوى ثقافاتٍ باردةٍ هابطةٍ متحجِّرةٍ، بينما ينعم آخرون بثقافات حارَّةٍ صاعدةٍ منتشرةٍ، وهذا ما يصنع الفرق بيننا وبيْنهم، إنَّ ثقافة الانحِطاط مازالت راسخةً في نفوسِنا، وهي التي جعلتْنا لا نطيق بعضنا، ولا نرى إلاَّ الأبيض والأسوَد، ونلغي باقي الألوان باسم الدين تارة أو التَّاريخ، أو الجغرافيا، أو بذرائع مختلفة تارة أخرى .
ولما كنَّا عاجزين عن مواجهة مَن هزمونا، أصبحْنا نتفنَّن في مواجهة بعضِنا باللَّعن والتَّكفير والانتِقاص، والتهديد بالإبادة السياسيَّة والثقافيَّة، ولو تشرَّبنا ثقافة الحرِّيَّة لما حدث هذا، لكنَّنا قرَّرنا ألاَّ نحتملها؛ لأنَّها ببساطة ثقافة النقْد والرأْي، والدخول في عالم الآخَرين من غير إقصاءٍ ولا تهديدٍ ولا نرجسيَّةٍ.
تكلمنا كثيرا عن نقد الذات ولكننا نقدنا الآخر وحده، وتكلَّمنا عن حرِّيَّة الرَّأي بشرْط أن يُوافق الرَّأي السَّائد، ونتكلَّم عن الآخرين لكنَّنا لا نرى إلاَّ أنفُسَنا، ويبلغ الأسى مداه حين زعُم البعض أن هذا ما يأمرُنا به الإسلام، أو أن هذا ما تقتضيه الحداثة، وقد قرَّر سدنة معبد الاستبداد وحرَّاس الخطأ من قديمٍ : أن لا حرِّيَّة لأعداء الحرِّيَّة، فشاعت النمطيَّة والتَّحنيط ، ولم ينجُ منها إلاَّ أصحاب الأفكار الحيَّة المنعِشة، في حين غدَتْ من ثوابت المتشبِّثين بالأفكار الميِّتة والقاتلة؛ فرفض كل جيل بنخبته بزوغ نبت مبدع جديد واستكثروا عليه أن ينمو بجوارهم فبحث له عن صوبة تظله حتى يجد نفسه فلم ينبت الجديد من القديم كما تقول النظريات العليمة للتطور لأنَّهم استصْغروا الفِكْرة فبرز عندهم الصَّنم في صورة زعيم ، أو شيخ طريقة، أو حداثيّ "ملهم"، وصنع كل جيل نقاده ومفسروه وقنع الكثيرون ببذل أقلّ الجهد؛ لتبقى له بطاقة المثقَّف في أصقاع استسلمتْ فيها الثقافة للسياسة؛ لأنَّ الأولويَّة للبقاء على قيد الحياة، والتِقاط فتات الموائد، في انتِظار النياشين والجوائز التقديريَّة والتشجيعية وصكوك الغفران.
وفي ظل هذا الصراع كيف نتساءل بعد هذا عن التخلُّف الحضاريِّ والقحط العلميِّ، وانتشار الأمِّيَّة الفكريَّة بنسبة مطَّردة مع انتِشار الشّهادات الجامعيَّة تبعا لكثرة عددية كمية وليست كيفية علي الإطلاق في الجامعات التي انتشرت في ريف مصر بين القرى والمدن !
وقد أدرك الحكماء أنَّ المثقَّف الَّذي يستحقّ هذا الاسم يحتاج إلى عاملَين ضروريَّين متلازمَين، هما الصمت والحرِّيَّة، لكنَّ العربيَّ أو المسلم اليوم مُرْغَم على الثَّرثرة والهتاف بشعارات المتغلِّب والحاكم ومن عجب أننا في زمن الاشتراكية الناصرية عاصرنا نهضة ثقافية وفنيه لا تتسق مع مناخ الكبت والحاكم الأوحد والحزب الأوحد والميثاق الوطني الأوحد ، وعلي النقيض من ذلك في عصر الانفتاح الساداتي عاصرنا القمع الفكري والاستبداد السياسي والقهر الأمني مع التغني بالحرية وتعدد المنابر ويبلغ العجب مداه مع طول عصر مبارك والاهتمام ببناء البني التحتية في كل المرافق ومنها المرافق الثقافية عاصرنا انحطاطا ثقافيا وتخلفا فكريا وحضاريا أدي بنا في النهاية إلي السعي لإسقاط النظام بعد ثلاثة عقود كأنها ثلاثة قرون وكتب الكثيرون مع هذا يتغنون ّبالحرِّيَّة مع مطلع الشمس !
كرست الحقبة الناصرية علي توصيل الثقافة ومصادرها ووسائلها من كتاب وفيلم وأغنية ورقصة وسلوكيات تقاوم الفقر والجهل والمرض وعندما مات ناصر سعي السادات إلي فرض رؤيته بالانفتاح وإطلاق نشاط الجماعات الدينية لمقاومة الفكر الناصري الطاغي فانقلب السحر علي الساحر وانطلق مارد سيطرة أمراء الجماعات الدينية والذي لاقي ترحيبا عقليا وفكريا كبيرا في جامعات مصر في ظل فراغ فكري وسياسي كبير بعد إلغاء منظمة الشباب والاتحاد الاشتراكي فإذا بالمارد المنطلق مرتديا العمامة وعباءة الدين بجلباب قصير ينقلب علي من أن أطلقه ويقتل السادات في بوم عرسه وبين قواته ليأتي مبارك ويحاول أن يروض ذلك الوحش القاتل بالتفاهم والتوافق والتعايش فإذا به يشيخ هو ونظامه بينما وحش الإرهاب ينمو ويستعد ويقوى حتى واتته الفرصة فأجهز علي النظام كله حكاما وثقافة وحضارة وبناء وخربت مصر أو كادت ويشهد التاريخ أن جيلنا عاصر لسوء حظه عاما من الانحطاط حكم فيه التخلف متسربلا بالدين وساد فيه الجهل متهما كل من سعي للنور بالعلمانية والكفر وأباح لنفسه القتل وسفك الدماء وفصل الرؤوس عن الأجساد انتصارا لله وللرسول والله يعلم ورسوله أنهم لكاذبون .
إنَّ ثقافة الكلمة – أي القراءة والكتابة - الَّتي حطَّمت الخُرافة في العقل العربيِّ قبل تحطيم أوثان مكَّة - قادرةٌ على تجاوز عقبات الأنانيَّة والغطرسة لتبني الإنسان الحرَّ، المتجاوب مع الكون ومن فيه وما فيه، إذا استندت إلى التَّوحيد وكفرت بالشَّيطان، أيَّ شيطان، فالثَّقافة الإسلاميَّة استبعدتِ الشُّعراءَ الضَّالِّين والغاوين، ولم تستبعِد الفنَّ الهادف، وسوء الفهْم مصيبةٌ كبرى، والمتتبِّع لتاريخنا الثَّقافي يُمكنه أن يلاحظ كيف جمدت ثقافة العقل التي هي ثقافة القرآن ، وبرزتْ منذ أمدٍ بعيد "ثقافة الإمارة"، فوسِّد الأمر إلى مَن بيده السُّلطة والمال، فكسَّر كثيرٌ من المثقَّفين مغازِلَهم وأقلامَهم، واختاروا المنفى في القُصور أو الكهوف أو السُّجون، وتستطيع أن تلمس اختيارهم وأنت تقرأ ما أنتجوه من شعرٍ أو قصصٍ، أو كتبٍ سياسيَّةٍ، أو علميَّةٍ أو حتي عالميَّةٍ. وتستطيع أن تقرأ ما لم يكتبوه في قسماتِ وجوههم، وتعبيرات صمتهم، ولهم بعضُ العذر، فثقافة السلطة تقهر المثقَّف الحرَّ بالوظيفة أو الاستعباد، أو النفي أو التكفير أو المال، ومع ذلك فالخدمة الوحيدة الَّتي تقدِّمُها هذه الثقافة للحاكم هي خداعُه والهمْسُ وراء ظهره، وهذه مأساتنا، فما أحوجَنا إلى المبدع الَّذي يحبّب إلينا الثقافة حتَّى نكون من جمهور القلم! ولن يكون هذا إلاَّ إذا حلَّ الإبداع والنقد محلَّ التقليد والاستهلاك الإجتِراري، الَّذي تشجِّعُه وزارات الثقافة المتعاقبة في بلادنا لتحمينا من داء الحرِّيَّة، هذه الوزارات الَّتي تطبع بالمال العام كتبًا مسيئةً للنظام العام، أو تشتري وتوزِّع كتبًا لا يقرؤُها أحد وتتصارع مؤسسات تلك الوزارة فيما بينها وتتعدد الأنشطة ذات اللون الواحد سعيا وراء هدف واحد بجهود متعددة تبدد مواردنا دون أن نحقق هذا الهدف وتدور المطابع في هيئتنا مثلا لإصدارات لا نستطيع أن نلاحقها لا يشتريها أحد ولا يقتنيها إلا أصحابها وتتكدس بها المخازن وتنوء بها ! ومع ذلك مستمرون !

إنَّ الثقافة أصبحت شفويَّة جداريَّةً شاشيَّةً، فتراجع دور اليد واللسان لصالح العين والأذن، فضاع استِعمال جميع الحواس في التَّثْقيف، وإذا حدث ذلك ضاع الفؤادُ، وذلك من جُحود نِعَم الله - تعالى - وهذا تحدٍّ آخَرُ يُواجِهُنا، ويكاد يسْحَقُنا، أمَّا "الحداثويَّة" المسمومة، فجَعْجَعتُها صاخبة وجدواها قليل لهذا يلزمنا التغيير وبسرعة لكي نعوض ما فات ونعيد بناء ما هدمتاه بأيدينا لحساب غيرنا وفق ما خطط لنا خارج بلادنا

3- التغيير لماذا ؟ ( الثقافة وآليات التغيير )

التغيير .. لماذا ؟
ثقافة التغيير.. تحديات واقع الحال وضرورات الانقلاب عليه
السؤال الذي يطرح نفسه الآن على الكتَّاب والباحثين والمهتمين بأمور التنمية هو: لماذا لا يظهر الحال في أقطار الوطن العربي، وبُلدان العالم الإسلامي، إلا في صورة تخلُّف، وحال مُنهِك، وفقر مدقِع، وأمية هجائية ، وأمراض متوطِّنة وفتاكة، في حين نجد أن العالم الآخر يتقدَّم بقفزات سريعة في كل جوانب الحياة، العلمية منها والاقتصادية والصناعية، والاجتماعية والثقافية والصحية؟
لا شكَّ أن ظاهرة القَبُول بالأمر الواقع، وعدم السعي للتغيير استسلامًا لمقولة زائفة: "تغيير الحال من المحال"، رسخت مع الأيام ثقافة متيبِّسة بين الناس تناقلتْها الأجيال اللاحقة عن الأسلاف، وبرَّرت القَبُول بمقولة سقيمة "ليس بالإمكان أفضل مما كان"؛ مما حمَل الناس  على الرضا بهذا الواقع المتخلِّف، ورسَّخ قناعة جمعية زائفة بينهم، بأن التخلف المخيِّم عليهم أشبهُ بقدرٍ محتوم لا مناص منه، وأن الحفاظ علي الهوية والدين والأعراف يقتضي ذلك ولا مجال لهم لإجراء تغييرٍ فيه، علي عكس ما أمرنا الله به من خلال قرآنه الكريم على قاعدة      ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد: 11]؛ مما يجعل الإيمانَ بالتغيير حالة عقائديَّة، بجانب كونها آلية عملية، ينبغي اعتمادها قاعدةً أساسية للسعي الجاد في السعي نحو الأفضل، بمغادرة سوء الحال الراهن، والتوجه نحو واقعٍ مُستهدَف أفضل باستمرار، لا سيما وأن قانون الاستخلاف المركزي: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ [البقرة: 30] يفترض أن إعمار الأرض لا يمكن أن يتحقَّق بكامل مداه، إلا باعتماد آليات التغيير المستمر لمسار واقع الحال المعاصر المتخلِّف؛ باعتماد توظيف مُعطيات العلم والتقنيات والموارد لمصلحة الإنسان، ولتعمير الأرض؛ تحقيقًا للقانون الإلهي المركزي؛ ﴿ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ﴾ [هود: 61]، بدلاً من العمل على خرابها بالتواكُل السلبي، وترك حبل التغيير على غارب الواقع المتخلف، بانتظار تغيير تلقائي يتحقَّق بمعجزة. في حين أن منهج الإعمار هو استنفار للمتاح من الإمكانات وتفجير الطاقات الكامنة لصياغة مستقبل أفضل فالتغيير يستهدف الإعمار لا سفك الدماء وإفساد الديار كما ظن الملائكة في بادئ الأمر علينا أن ننتج ثقافتنا لا أن نعتمد علي منجزات الغير والتطفل علي ما يجود به .
ولا يمكن قبول مقولة إن هناك تعارض بين التقدم والدين أو أن هناك تعارض بين القيم الروحية وبين القيم الدنيوية فذلك ينم عن عدم وعي بما يحث عليه الإسلام من سعي يتكامل فيه إقامة الصلاة وإتيان الزكاة مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلدينا فرصة لم توات الغرب في حضارته التي قامت علي الجانب المادي في ظل غياب القيم الروحية . إلا أننا ما زلنا عاجزين لقصور في المفاهيم عن بلوغ التوافق بين الروح والمادة .
على أن من الخطأ الجسيم التسليم بأن التخلف المُطبِق، والنكوص المتشائم، هو سِمة حتميَّة مُلازِمة للمجتمع الإسلامي؛ بسبب طبيعة ازدواجية المعرفة الإسلامية في تعايشها العملي مع منهج النقل وتعطيل منهج العقل - كما يزعُم المُغرِضون من المستشرقين، والمُنبهِرون بهم .
لذلك؛ باتت الحاجةُ قائمة إلى الشروع باعتماد تنمية قوميَّة شاملة، تَنهض بكافة قطاعات الحياة العربية؛ من خلال المباشرة باعتماد سياسات نقْل وطنيَّة للتقنيات والمعارف المستجَدة ملائمةٍ للخصوصيات الوطنية، والعمل على اعتمادِ برامج عملٍ لتوطينها؛ بالانتفاع من الطاقات والكفاءات العربية، والعمل على تبنِّي المُبتكرات الجديدة؛ من خلال الاهتمام بالجوانب البحثية المَيدانية، وتعزيز ثقافة الابتكار والتغيير في بيئات العمل العربية والإسلامية، وتعميق مجالات التأهيل والتدريب؛ لتأمين تَراكُم الخبرة مع الزمن، وصولاً إلى مرحلة الإبداع، والتصنيع الوطني بالقُدرات الذاتية، بما يُحقِّق التغيير المستهدَف، ويُضاعِف معدَّلات النمو، ويرفع مستوى الرفاهية المطلوبة، ويُحقِّق الاكتفاء الذاتي والعدالة الاجتماعية .
وخلاصة القول أن التغيير الذي تسعي إليه بالثقافة لا يمكن أن يكون بسلوك الطريق المضاد أو المعاكس لطريق من فشل من قبلنا بمعني أن الاشتراكية لم تكن البديل الأنسب لمصر لأنها الطريق المعاكس لطريق الغرب الذي رفض مساعدتنا في بناء السد العالي وإمداد جيشنا بالسلاح كما أن الانفتاح علي الغرب كليا لم يكن الطريق الأنسب لنا في عصر السادات لأنه المعاكس لطريق عبد الناصر الذي انتهي بالنكسة وكذلك لم يكن طريق مبارك بالتقارب والتفاهم مع دعاة السلطة الدينية لم يكن الطريق الأنسب لأنه الطريق المعاكس لطريق السادات بمعاداة دعاة السلطة الدينية والذي انتهي هو أيضا بقتله والقفز في غفلة من الناس علي كرسي الحكم ليعودوا بمصر في عام واحد إلي غياهب القرون الوسطي فظهرت فجأة أزمات في الكهرباء والوقود والماء والخبز ، وظهرت فلسفة الأهل والعشيرة وتقسيم الناس بين الكفر والإيمان والزعم بامتلاك مفاتيح الجنة والنار أو أنهم خلفاء الله في أرضه ولا بد من أن يكون لنا طريقا خاصا بنا نصنعه وفق ظروفنا ومعتقداتنا وتاريخنا وجغرافيتنا


4- جوهر التغيير ( الثقافة وآليات التغيير )

جوهر التغيير
♦ التغيير ينبغي أن يكون للحقائق؛ لأنها أساس البناء، وأصل كل تغيير، فالتغيير معنى أكثر من كونه شكلاً ظاهرًا؛ لأنه من طبيعة الأمور الظاهرة النسبية (من جهة الأفراد والأعراف )، وعليه لا يمكن أن تُناط عملية التغيير بالأوصاف الظاهرة فحسب دون الباطنة.
 التغيير ينبغي أن يكون مخططا ومقصودا يقبله الجميع ويسعون لإحداثه .
♦ اختزال التغيير في الظواهر الخارجية هو نوع من تسلّط ثقافة الجمهور (ثقافة القطيع ) على الفرد، بل وتسلّطها على الحقيقة أحياناً، كما أنه يؤدي إلى الاهتمام بالظاهر على حساب الباطن.
♦ التغيير ينطلق من الداخل، ويتأسس من الأعماق في نمط التفكير.. وتغيير في العقل كإعماله بدلاً من إهماله وجموده.. وتغيير في المبادئ من السيئ إلى الحسن، ومن حسن إلى أحسن.. وتغيير في الأخلاق والسلوك ، وتغيير في المفاهيم.. الخ.
فأين نحن من هذا التغيير؟! وهل تغييرنا إيجابي؟
في هذا الصدد نرصد بعض الظواهر الثقافية السائدة مثل
·        العشوائية في السلوك والمفاهيم بل والتدين فتعددت الفرق بين سني وشيعي وسلفي وجهادي وملتزم وعلماني ومؤمن وملحد وغيرهم وكلهم يكفرون بعضهم
·        فقدان الانتماء والتوازن، وذلك بتغليب مصلحة الجماعة علي مصلحة الأمة بزعم إعادة بعث الخلافة .
·        شيوع نظرية المؤامرة والاتهام (أي للناس)؛ لأن التغيير عنده قالب واحد؛ هو الذي يؤمن به صاحب القرار .
من هنا أعتقد أن أي تغيير في الأفكار لا يبني عن قناعة مصيره إلي الزوال أو الاضمحلال أو الذوبان لذا فلابد أن يكون التغيير متسما بالثبات والتأثير والانتشار بمعني أننا في ظل ثورات عارمة استهدفت إسقاط النظام غابت الرؤى للمستقبل فماذا بعد سقوط النظام ، لهذا السبب لدينا من مقومات الحفاظ علي الهوية الثقافية ثوابت عقائدية كفيلة بحماية المجتمع من الشطط لو أحسن فهم تلك الثوابت وأزيلت من طريق التعامل العقلي معها كل الخطوط الحمراء ولدينا سياج آخر من الأعراف والتقاليد المتوارثة عبر الأجيال السابقة وكل ذلك يضمن لعملية التغيير القدرة علي التأثير في المجتمع لاستنهاض القيم الإيجابية الدفينة لديه واستعادة النخوة المصرية والشرقية الأصيلة وإذا ما ترسخت تلك القيم الإيجابية وأحدثت تأثيرها المرجو فالسياق الجمعي للمجتمع يضمن لها الانتشار وهنا تصبح للتغيير قيمة تلبي كل الطموحات في إحداث نهضة وحضارة وتقدم .

ومن سمات التغيير حدوث عمليتان متلازمتان عملية هدم لقيم بالية شغلت الرأي العام بإشكاليات هامشية عديمة القيمة وإعادة بناء قيم جديدة تشجع علي الابتكار والتجديد فقد أصبح مجتمعنا بعد خبرة السنوات الأربع الماضية من عمر ثورة يناير 2011 متحمسا أكثر من ذي قبل علي استعادة الأمن والأمان واستعادة القدرة علي البناء وتحقيق العدالة الاجتماعية التي تكفل للجميع حياة كريمة مستقرة والهدم هو الجانب السهل في عملية التغيير أما البناء فهو الدور الصعب الذي يحتاج إلي فكر ودأب وعمل مستمر وشفافية في العمل حيث أصبحت الحاجة ملحة دينيا إلي التمسك بعقيدتنا الإسلامية السمحة التي لا غلو فيها ولا تشدد فعبادة الله تستهدف إسعاد البشر وليس تعذيبهم فأصبح لزاما علي المجتمع إزاء ذلك السعي لمحاربة الإرهاب الفكري والعقائدي بكل صوره وبث روح الانتماء للوطن وروابطه بباقي بلاد العالم الإسلامي والعربي ومواءمة ذلك بلا تناقض مع باقي الدول في العالم أجمع ولن نستطيع أن نتخلص من الإرهاب بدون التخلص من البطالة أو بدون تحقيق تنمية حقيقية في المجتمع تضمن رفع مستوي معيشة الأفراد وتحقيق العدالة الاجتماعية وهي الأهداف الثلاثة المعلنة لثورة يناير العيش بمعني الحياة الكريمة للجميع والحرية بمعني حرية التفكير والعقيدة في إطار ما لدينا من ثوابت والعدالة الاجتماعية التي تحقق القضاء علي الرشوة والمحسوبية والوساطة وتأكيد حقيقي لمبدأ تكافؤ الفرص . 

5- آليات التغيير ( الثقافة وآليات التغيير )

آليات التغيير

آليات التغيير هي الوسائل والأدوات التي تستخدم لتحقيق الأهداف المستقبلية ولكل مرحلة من مراحل التغيير آلية معينة يحددها الزمان والمكان بما يلائم الظروف المواتية للوصول إلى الهدف الشامل للاستراتيجيات العليا.
ولعل ابرز وأكثر التقسيمات تمييزا في الدراسات الأكاديمية لا سيما في العلوم الاجتماعية لآليات التغيير هي :
آليات التغيير الناعمة (اللينة).
آليات التغيير الخشنة (الصلبة).
آليات التغيير الذكية .(الجمع بين القوتين)
وأما مفهوم "القوة الناعمة soft power" كما روج لها المنظر الأول لهذه القوة البروفيسور "جوزيف ناي" نائب وزير الدفاع الأميركي السابق ومدير مجلس المخابرات الوطني الأميركي، وعميد كلية الدراسات الحكومية في جامعة هارفارد، وهو أحد أهم المخططين الاستراتيجيين الأميركيين، وقد تمكن بمهارة من توظيف ثنائية الصلب والناعم المستعملة في تقسيم أجهزة وقطع الكومبيوتر الذي يتألف من أدوات ناعمة software وأدوات صلبة hardware في سبيل ترويج مشروعه الاستراتيجي والسياسي والعسكري الذي يقوم على نقل المعركة من الميدان العسكري الصلب حيث التفوق لعقيدة القتال والموت والصبر الطويل والصمود التي يتقنها أعداء أميركا من وجهة نظر "جوزيف ناي" إلى الميدان الناعم للتغيير الدولي وأدواته التكنولوجية والاتصالية والإعلامية، حيث التفوق لأميركا وحلفائها. هذه النقطة توصل إليها أيضاً خبراء الدراسات الإسرائيلية .
والحقيقة المنطقية التي يفهمها الجميع للقوة هي القوة الصلبة باعتباره المعيار التاريخي الأول كان يقوم عليها وهي القوة العسكرية كأساس للتغيير فالقوة الصلبة تعتمد النمط المادي الملموس ، أما القوة الناعمة فهي القدرة على جعل الآخرين يريدون ما تريد أي يختار الناس ما تريد بذاتهم بدلا من إرغامهم ، وتعتمد القوة الناعمة على الجاذبية والإغراء والقدرة على الاستقطاب دون الاضطرار إلى استخدام (العصا أو الجزرة).
وقد مارست أمريكا كلتا السياستين معنا ومع منطقتنا ببراعة فبينما استعمل بوش الابن القوة المسلحة ( القوة الصلبة ) في إحداث ما يريد من تغيير في المنطقة عاد أوباما بالقوة الناعمة ليعوض ما خسرته الولايات المتحدة من عتاد وبشر ومال ويحقق أهداف بلاده في المنطقة بأقل مجهود وأقل خسائر مادية وبشرية فأسسوا وساعدوا جماعات الإسلام السياسي وسلحوا داعش بأحدث ما أنتجته الترسانة الأمريكية من سلاح علي نفقة بعض أغبياء الحكام العرب في قطر وغيرها وتركت غيرهم يسلحون الجانب المقابل لتدور رحى حروب في سوريا والعراق وليبيا واليمن والسودان وعلي أرض سيناء في مصر بين أبناء الأمة الواحدة والوطن الواحد والعقيدة الواحدة ليسقطون وتدمر مقدراتهم الاقتصادية والعسكرية وتضيع إلي زمن طويل قوي تلك الأوطان التي ضاعت أو تكاد وتتشرذم وتنقسم وتتفتت ولتنعم إسرائيل لحقب طويلة قادمة بسلام واسترخاء عميق وبناء وتنمية لم تحلم بهما منذ نشأتها دون أن تخسر شيكلا واحد أو نقطة دم يهودية واحدة .
ومع النجاح الأمريكي في استغلال عناصر القوة الناعمة من آليات التغيير بداية من الثورة التونسية ثم باقي ثورات ما أطلق عليه الربيع العربي من خلال الاستخدام الأمثل لتقنيات التطور الهائل في وسائل الاتصال والإنترنت ، والسعي لتخريب عقول المثقفين العرب عموما من خلال تلك الوسائل تحت ستار السعي لبناء الديمقراطية وجنتها المفقودة في بلادنا ، وبينما كانت النظم السياسية في العالم العربي مغيبة طوال العقد الماضي كله كانت عجلة التآمر الأمريكية تدرب بعضا من شبابنا في صربيا في مدارس أوتبور وفي بروكسل ببلجيكا وفريدم هاوس بالولايات المتحدة علي الثورة الناعمة الساعية للديمقراطية والمناهضة للاستبداد والظلم وفي الوقت نفسه ضخت الخارجية الأمريكية أموالا كثيرة لبعض تنظيمات المجتمع المدني والجماعات الدينية السياسية للاستعداد لتلك المرحلة وتقويض نظم كانت من قبل عميلة وربيبة للولايات المتحدة تأتمر بأمرها وتتسول معوناتها ولولا عناية الله لسقطت مصر كما سقطت العراق وسوريا وليبيا واليمن ولكن الله أراد شيئا غير ما يريدون .
وبالطبع فان آلية التغيير الناعمة ليست جديدة تماما، ولم تكن الولايات المتحدة الأميركية أول من استخدم الثقافة لتكون قوة ناعمة طرية ، وعلى سبيل المثال نجد أن تدفق الثقافة الأمريكية إلى المجتمعات الأخرى لا تكون بدون تغيير، فقوائم الوجبات في كنتاكي وماكدونالد وهارديز للأكلات السريعة منتشرة في دول كثيرة من العالم الثالث ، وأفلام الكاوبوي الأمريكية تترجم بلغات كثيرة لهذه الدول ولا تعرض في بلاد من أنتجوها لتعكس التصورات للرسالة التي يجري ترجمتها سعيا لإعادة بناء منطقة الشرق الأوسط الجديد وفقا لمتطلبات السياسة الأمريكية والصهيونية والتي أعلنتها صراحة وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس بعد سقوط العراق .


الأحد، 11 يناير 2015

6- التغيير بالثقافة ( الثقافة وآليات التغيير )



 التغـيير بالثقـافة
إن نقطة البداية في التغيير هي تحديد جوانب السلوك والأداء المتوقع ودفعها داخل أرجاء المجتمع ، بناء على تشخيص دقيق للوضع الحالي للإطار الثقافي، من خلال تحليل سلوكيات المجتمع ومناهج الحياة فيه ، وعلى ضوء النتائج المتوصل إليها يجري التفكير في أنسب الطرق لإحداث تغيير يساعد تجديد نظام القيم السائدة وإحلالها بقيم وثقافة وقائية تكون معدة لتتلاءم مع التحولات المستمرة. وليس هناك حل سريع ولا سر يكشف عنه لتحرك مؤسساتنا  من ثقافتها النمطية الجامدة إلى ثقافة تركز على التميز والإنجاز، والنتائج والتجانس، والجماعية والتفتح على الخارج والداخل، واليقظة والتركيز على الأهداف القصيرة والطويلة، والمشاركة والابتكار، والاهتمام بالعاملين كآدميين وتنمية معارفهم ومهارتهم وترسيخ صفات شخصية مدعمة للتغيير. وإن كان ذلك قد تحقق كله أو بعضا منه في أزمنة متفاوتة فقد تم بمبادرات فردية محدودة وموقوتة أجهضت برحيل المبادرون بها . ولنا في تجربة سعد الدين وهبة في الثقافة الجماهيرية درسا وعبرة كما أن لنا في مبادراتنا المحلية والإقليمية في بعض المحافظات ( دمياط والإسكندرية وأسيوط وأسوان وغيرها ) من خلال الوعي بأبعاد تلك المرحلة أيضا درسا وعبرة ، كما أن لنا في تجربتنا الذاتية بدمياط في أوائل الثمانينيات والتسعينيات دروسا كثيرة وعبرا ينبغي تذكرها ( * ) .
إن تعديل القيم التنظيمية والاتجاهات وسلوكيات ومواقف الأفراد لا يمكن إحداثه إلا بتمهيد أذهان العاملين وتهيئتهم نفسيا بقصد إقناعهم برفض الأفكار الشائهة السائدة الحالية. وأنهم مع التغيير تتعاظم مصالحهم الذاتية وسيكونون في وضع أفضل نتيجة هذا التغيير ، وعندما تنجح الإدارة في إقناعهم بأن مصالحهم تتعارض مع سلوكهم وطريقة أدائهم الحالي وتتكامل مع التغيير حينئذ فقط سنجد من الجميع سعيا حثيثا نحو الأفضل بالتغيير .
إن الأوضاع الجديدة تتطلب وجود رؤية إستراتيجية واضحة في إطار منظومة من القيم والمعتقدات والاتجاهات والسلوكيات تتلاءم معها، تبررها وتدعمها الدعم المكاني والزماني المطلوب لواقع قائم بالفعل، فلابد أن تكون هذه القيم منسجمة ومتجانسة مع الواقع والأوضاع الحالية. وهى قيم تقوم على التفكير العقلاني البعيد عن الغيبيات وكذلك متطلبات العمل والقواعد التي تحكمه وتنظمه في عصر تسيطر عليه روح المنافسة والرغبة قي تحقيق التقدم والنجاح، مع توفير أكبر قدر من الحرية الشخصية وترسيخ مبادئ ديمقراطية. قيم إيجابية فاعلة أكثر منها مواقف سلبية انفعالية، إحلال التفكير العلمي والتصرفات والأحكام والقرارات العقلانية، التميز والإنجاز والإتقان في العمل والمبالغة في التحسين مع الاعتراف بمسؤولياتنا عن الأوضاع الراهنة، وذلك بلا شك يتطلب تأمين إحداث تعديل للسلوكيات السياسية ونظام التربية والتعليم بمراحله المختلفة، واستيعاب وإتقان ما لدى الآخرين من رصيد المعارف وفنون الإنتاج. فالأمر يحتاج إلى تغيير نمط و نظام الإدارة والتغلب وبسرعة علي الفجوة الإدارية الهائلة الواقعة حاليا بين أجيال القيادات المتعاقبة بالتدريب وإعداد قيادات الصف الثاني والثالث ويكون البقاء لمن يعمل أفضل لا لمن يتحايل أكثر أو مسنود أقوي .
إن التغيير يحتاج إلى بيئة ديمقراطية شفافة مدعمة لآليات التنافس مع العمل على خلق جيل جديد وقيم ثقافية جديدة في إدارة المؤسسات، جيل يؤمن بضرورة التغيير وبالمبادئ التي يريدون ترسيخها داخل المؤسسة، جيل يملك التخيل والتفكير الاستراتيجي والابتكار والمبادرة، جيل قادر علي الاعتماد علي نفسه ويعترف بالتواصل مع من قبله وأنه يبني علي ما بناه من قبله لا أن يعمل ويبني من جديد .
الخطوات العملية لإحداث التغيير الثقافي:
- لا سبيل للبقاء والاستمرار في ظل التحولات المحلية والدولية إلا بتغيير سلوكياتنا واتجاهاتنا وقيمنا وافتراضاتنا تجاه العمل، الوقت، النظام، السلطة، المؤسسة، القادة، أنفسنا، الآخرين، وبالإقلاع عن الخلط بين العلاقات الإنسانية والشخصية وهدف ومصالح المؤسسات ، مع التأكيد على أهمية التقويم المستمر.
- قيام الإدارة بدراسة وفهم الثقافة السائدة، قصد التعرف على الجوانب الإيجابية والسلبية والعمل على استثمار ما هو إيجابي والتخلص من كل ما هو سلبي.
- إسهام القيادات الإدارية بأنماط السلوك الإيجابي المرغوب والمطلوب باعتبارهم القدوة والمثل في المؤسسة، وأن يتعلموا شيئا مهما هو كيفية حب العاملين وتقييمهم والنظر إليهم كمورد وليس كتكلفة.
- العمل بجد على التخلص من الاعتقادات الخاطئة وممارسات الإدارة بالأزمات وإحلالها بمبادئ إدارة الأزمات.
- تنشيط وتفعيل الندوات والملتقيات قصد التعرف برصيد ومعارف وتجارب الآخرين الرائدة.
- وضع نظام فعال للاتصال لتسهيل حركة الأفكار والممارسات بالشكل الذي يثري وينمي ثقافة المؤسسة.
- وضع نظام استحقاق يستجيب للحاجات غير المشبعة وينمي الحاجة إلى الإنجاز والتميز.
- تثمين وتفعيل نظم الاختيار والتعيين والتدريب والترقية وتقييم الأداء والحوافز باعتبارها الركائز الأساسية لزرع الانضباط والنظام والمسؤولية وتنمية روح الالتزام، والانتماء والولاء وترويضهم على الإبداع والابتكار وإبداء الرأي والرقابة الذاتية والعمل الجماعي.
- نقل الأعضاء الذين يقاومون التغيير والذين تتسم اتجاهاتهم بالسلبية أو إحلالهم بأفراد راغبين في التغيير ولهم الاستعداد للتكيف.
- وضع آليات تحول دون سيطرة غير الأكفاء على الأكفاء.

( * ) قصة انتخابات مجلس الشعب عام 1976
( * ) بدء الجماعات الدينية في دمياط وقصة إبراهيم الشيخ
( * ) قصة اتهام قصور الثقافية بالشيوعية والتحول للنشاط الديني 

الجمعة، 2 يناير 2015

الدكتور عبد العظيم وزير محافظ دمياط


20 - عن الثقافة في دمياط 
محافظون عملت معهم في دمياط

الدكتور عبد العظيم وزير محافظ دمياط
نوفمبر 1999\يونية2004


لم يطل المقام بالمستشار محمود بهي الدين كمحافظ لدمياط فقد نحي وعين المستشار محمد عبد الرحيم نافع كمحافظ لدمياط خلفا له في مارس 1991 واستمر بها حتي يناير من عام 1996 وكان رجلا فاضلا مثقفا وأديبا يقرض الشعر العمودي وبليغ العبارة حتي في خطاباته وتأشيراته ومن فرط تدينه كان يكره اليسار اسما ومعني ويكفي عند قدومه أن يقال له أن فلان هذا يساري فتكون هذه الوشاية سببا في قطيعة حاسمة لهذا الشخص وكان ذلك موقفه مني ومن الثقافة حتي ترك دمياط وعين في مجلس الشوري وعاود زيارته لدمياط بعد ذلك عدة مرات مدعوا لمناسبات عديدة أو زائرا في فصل الصيف وتقابلنا ليكتشف أن تلك الوشاية كانت ظالمة ونصبح أكثر تفاهما ومودة بعد ذلك وخلف المستشار نافع في منصب المحافظ مستشارا آخر هو أحمد عبد العزيز سلطان والذى عين في يناير 1996 واستمر بها حتي أكتوبر 1999 وكان رجلا فاضلا متواضعا وكانت زوجته السيدة جليلة من سيدات المجتمع تحب العمل العام ولأن مجتمع دمياط ما يزال مجتمعا محافظا فكانت تحركاتها وتداخلها في كثير من الأنشطة مرفوضا من الناس وأثار العديد من المشكلات للرجل فتم تنحيته عن المنصب في أكتوبر 1999 وانتهت مرحلة المحافظين المستشارين وعين أستاذا جامعيا كان عميدا لكلية الحقوق بجامعة المنصورة من قبل هو الدكتور عبد العظيم وزير أستاذ القانون الجنائي في كلية الحقوق وكلية الشرطة فبدأ العمل كمحافظ لدمياط في نوفمبر 1999 واستمر حتي يونيو 2004 لينتقل من دمياط إلي القاهرة محافظا للعاصمة .
عند تعيين الدكتور عبد العظيم وزير محافظا لدمياط كنت أشغل وظيفة مدير عام الثقافة بمحافظة الغربية وفي مايو 1999 كان اللقاء الأول بيني وبين الدكتور وزير في احتفال المحافظة بعيدها القومي في 8 مايو في طابور العرض بميدان البوستة ( الساعة ) حيث استدعتني الزميلة نادية الكامل مدير العلاقات العامة بالمحافظة لتقديم فقرات الاحتفال وكانت عادة متواصلة لي منذ تعييني مديرا للثقافة بدمياط حتي قيام ثورة يناير 2011 وأعجب الدكتور وزير بطريقة التقديم التي قمت بها وطلب أن نلتقي سويا في مكتبه بالمحافظة بعد الاحتفال حيث كان المهندس الكفراوي والمستشار نافع حاضرين للاحتفال كما حضرا أيضا المقابلة التي تمت بيني وبين الدكتور وزير في مكتبه بالمحافظة وينتهي اللقاء بموافقتي علي طلب الدكتور عبد العظيم وزير بالعمل كمدير عام لمكتبه بالمحافظة ندبا من الثقافة بتزكية ومباركة من الكفراوي ونافع وبالفعل سريعا ما وافق علي أبو شادي علي ندبي للمحافظة وبدأت العمل كمدير عام لمكتب محافظ دمياط من أوائل يونيو 1999 ولم يطل بي المقام فتركت هذا العمل بعد حوالي ثمانية أشهر فقط لأعود أدراجي مرة أخرى لقصور الثقافة كمدير عام لثقافة الغربية ومنها كرئيس لإقليم شرق الدلتا الثقافي ومقره المنصورة بعد رحيل علي أبو شادي بقرار من عاطف عبيد رئيس الوزراء في ذلك الوقت بعزله وتعيين محمد غنيم رئيسا لهيئة قصور الثقافة إلي جانب عمله كرئيس للعلاقات الثقافية الخارجية .
كان غنيم علي علم بكافة مشاكل هيئة قصور الثقافة ومنها مشاكلي مع علي أبو شادي والتي تمتد إلي فترة عمله كمدير لإدارة السينما بالهيئة أيام أن كنت أنا مديرا لثقافة دمياط وكان غنيم مديرا لثقافة الإسكندرية وكانت لنا في ثقافة دمياط دارا للسينما التجارية كنت أديرها بنفسي وحققت أعلي إيرادات في تاريخ دور السينما التابعة للثقافة الجماهيرية كلها واستطعت من دخلها أن أنمي وأطور العمل بثقافة دمياط فاشترينا مطبعة ماستر ونشرنا كثيرا من المطبوعات للأدباء وغيرهم وأقمنا العديد من المؤتمرات الأدبية والمهرجانات الفنية مما جعل لي وضعا شخصيا متميزا بين أقراني في تلك الهيئة فاستعان بي الدكتور عبد المعطي شعراوي رئيس الثقافة الجماهيرية في آخر عهودها قبل أن تتحول لهيئة عامة للعمل كنائب لرئيس تحرير مجلة الثقافة الجديدة واستطعنا في فترة وجيزة النهوض بالمجلة وإعادة إصدارها بعد توقف طويل وتردي علي يدي من سبقونا وكان منهم علي أبو شادي الذى كان قبل شعراوي نائبا لرئيس التحرير فأقاله وعينني بدلا منه وهو ما أثار حفيظة علي أبو شادي ضدي حتي بومنا هذا فكان حريصا علي زيارتي في طنطا بعد تعيينه رئيسا لهيئة قصور الثقافة خلفا لمصطفي الرزاز في احتفالية كنت قد أقمتها بمسرح البلدية بطنطا في ذكري محمد فوزي ابن الغربية وفي جلسة الغذاء قال علي أبو شادي منتشيا ( أنا لسه 7 سنين في الخدمة أما أنتم موجها كلامه لي ولجيلنا فأصغركم سنا لسه له سنتين وهيمشي ) ولم يخف وعيده وتهديده فجاء طلب الدكتور عبد العظيم وزير بندبي للمحافظة علي هواه فوافق علي الفور ولكن القادر لم يمهله من السنوات السبع التي كان يمني نفسه بها سوي شهور قليلة حيث تم تنحيته وإقالته من المنصب إلي المنزل ولم يعد إلي الأضواء مرة أخرى إلا بعد رحيل عاطف عبيد .
ومع الدكتور عبد العظيم وزير مارست العمل في مكتبه بحب وإخلاص وكنت راضيا وقانعا بما أقوم به وأعتقد أنني من خلال هذا العمل قد قمت بخدمة بلدي بشكل جيد كما قدمت خدمات كثيرة حتي عين غنيم رئيسا للهيئة فألغي انتدابي وعدت إلي عملي بمحافظة الغربية لعدة أيام ثم ندبي للعمل كرئيس لإقليم شرق الدلتا الثقافي إلي أن خرجت إلي المعاش في أبريل 2004 .
يحسب للدكتور عبد العظيم وزير أنه قد سار علي نفس منهج الراحل الكريم الدكتور أحمد جويلي محافظ دمياط الأسبق فكان حريصا علي إقامة العديد من المشروعات التي استهدفت إما تطوير مشروعات خدمية قائمة أو إقامة مشروعات جديدة منها في أماكن أخرى تحتاجها كمشروعات محطات المياه ومحطات الصرف الصحي ( الكومباكت يونيت ) وكذلك مشروعات الرصف للطرق الإقليمية والعامة وإنارتها وتحسين وتطوير الخدمات ويحسب له أيضا أنه صاحب قرارات إزالة بعض الإشغالات علي شاطئ النيل بدمياط وصاحب أول مشروع حقيقي لتطوير كورنيش النيل من نقابة المهندسين وحتي ميدان البوستة بدمياط وكان يحلم بإنشاء مشاية بجوار كورنيش النيل بدمياط شبيهة بتلك التي بالمنصورة إلا أن رجال الأعمال بدمياط قد خذلوه فلم يكمل مشروعه ويحسب له أيضا تطوير كورنيش البحر برأس البر حتي منطقة 101 وأيضا تطوير الطريق الرئيسي بقرية السنانية الملاصق للسكة الحديد وتغطية كثير من المصارف والتوسع في شبكات الصرف الصحي بكثير من قرى ومدن المحافظة .