عصر ترامب عالميا هو عصر البلطجة السياسية الدولية
علي
عكس التطور المنطقي للتاريخ والحضارة العالمية تزدهر البلطجة السياسية لتسود العالم
وتنهي دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن علي أيدي الولايات المتحدة ورئيسها أكبر
بلطجي تولي رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية في التاريخ
شعور
قد يعكس قدراً كبيراً من الإحباط الذي يشعر به الكثيرون تجاه المشهد السياسي
العالمي الحالي. فإن ما نصفه بـ "البلطجة السياسية" يراه
البعض تراجعاً لمفهوم "القانون الدولي" لصالح "قوة الأمر
الواقع".
من
الناحية التاريخية والسياسية ويمكننا تحليل هذا الوضع من خلال عدة
زوايا لتوضيح المشهد:
أهمها
أن هذه المؤسسات تعاني منذ فترة طويلة من حالة شلل شبه تام بسبب حق
الفيتو: الذي تحول من أداة لحفظ التوازن إلى وسيلة لحماية المصالح الخاصة
للقوى الكبرى علي حساب القوي الأخري .
ومن
ثم تلاحظ انتقائية التنفيذ حيث تُطبق القرارات الدولية بصرامة على دول معينة
بينما يتم تجاهلها تماماً عندما تتعلق بلفاء القوى العظمى أو بحلفائها كما حدث
تجاه العراق وصدام حسين وعلي النقيض ما حدث ويحدث كل يوم تجاه إسرائيل ونتنياهو .
وقد
أدي هذا التحول من "الدبلوماسية" إلى "الإكراه" تاريخياً حيث
كان التطور المنطقي للحضارة يتجه نحو "العولمة" والتعاون المشترك لكن ما
نراه الآن هو عودة لسياسات القطبية الأحادية أو الصراع الصفري حيث
فأصبحت العقوبات الاقتصادية تستخدم كبديل للحروب العسكرية ، وبالتالي يتم تجاوز
المنظمات الدولية لاتخاذ قرارات أحادية الجانب
وبغض
النظر عن الاسم فإن السياسة الخارجية الأمريكية غالباً ما تتبع
مبدأ "الواقعية السياسية" وهي مدرسة تضع المصلحة
القومية فوق أي اعتبارات أخلاقية أو قانونية دولية. هذا التوجه تزايدت حدته
مؤخراً، مما جعل القيادة الأمريكية تبدو في نظر الكثيرين وكأنها تتصرف خارج إطار
الإجماع العالمي.
فهل
نحن أصبحنا أمام نهاية النظام العالمي القديم؟
كثير
من المحللين يتفقون علي أن النظام الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية (نظام
بريتون وودز والأمم المتحدة) يتآكل بالفعل. نحن نعيش مرحلة انتقالية تتسم بالفوضى،
حيث لم يولد بعد نظام جديد يحل محل النظام المتداعي خاصة بعد عربدة القوة المفرطة
للاحتلال الصهيوني فيما تبقي من أراضي لفلسطين وغزة وبعد اختطاف الرئيس الفنزويلي
وزوجته من مخدعهما في بيته ووطنه وعجز النظام العالمي عن أن يتخذ موقفا إيجابيا من
إبادة شعب بأسره وقتل العزل من أبنائه في غزة علي مرأي ومسمع من الجميع وكذلك عجزه
عن توفير الحد الأدني من احترام إرادة شعب انتخب مادورو رئيسا لدولة عضو في هذا
النظام العالمي .
وكما
يعلمنا التاريخ أن الحضارات تمر بفترات من "الردة" عن القيم
الإنسانية قبل أن تعيد تنظيم نفسها بناءً على موازين قوى جديدة إلا أن التطورات
المفاجئة يعجز معها المحللون للموقف الراهن عن إدراك أن القيم
الإنسانية يمكن أن تعيد تنظيم نفسها وتعدل من مسارات فرض الأمر الواقع بالقوة
العسكرية وهو تصور لفلسفة الصراع
الفلسفي والسياسي في عصرنا الحالي فالإجابة ليست وردية تماماً لكنها ليست مستحيلة
؛
فالمحللون
ينقسمون في رؤيتهم لكيفية استعادة "القيم الإنسانية" لمكانتها أمام
"قوة السلاح" إلى مدرستين أساسيتين
1.
مدرسة "التصحيح عبر الأزمات الكبرى" وهي ما أطلقت عليها هيلاري كلينتون
الفوضي الخلاقة حيث يعتقد أصحاب هذا الرأي أن النظام العالمي لا يتغير
"طواعية" بناءً على الأخلاق، بل نتيجة لصدمات كبرى تجعل
الاستمرار في سياسة القوة أمراً مكلفاً للغاية. فإن استنزاف القوة العسكرية
المفرطة والبلطجة السياسية تؤدي في النهاية إلى "توسع إمبراطوري زائد"
حيث تعجز الدولة القوية عن تحمل تكاليف حروبها وصورتها الذهنية المهزوزة مما
يجبرها على العودة لطاولة المفاوضات والقانون الدولي كما حدث في فيتنام وأفغانستان
. وبالتالي نهوض الأقطاب البديلة فيرى البعض أن تعدد القوى (عالم متعدد
الأقطاب) قد يخلق نوعاً من التوازن يمنع استفراد "بلطجي" واحد بالقرار
مما يعيد للقانون الدولي قيمته كوسيلة لحل النزاعات بدلاً من الصدام المباشر.
2.
مدرسة "القوة الناعمة والمقاومة المدنية"
هناك
تيار يرى أن القيم الإنسانية تعيد تنظيم نفسها من الأسفل إلى الأعلى وليس من
الرؤساء إلى الشعوب انطلاقا من سلطة الرأي العام العالمي بفضل التكنولوجيا،
فلم يعد بإمكان القوى العسكرية إخفاء جرائمها. وأصبح الضغط الشعبي العالمي قادراً
على محاصرة الحكومات سياسياً واقتصادياً (كما نرى في حركات المقاطعة والاحتجاجات
الدولية). وفي هذا السياق قد تقع محاولات جمعية من القوي الضعيفة عسكريا وسياسيا
ولكنهاتسعي إلي حماية مستقبلها في إطار ( أنسنة السياسة) هناك محاولات
لتدويل مفاهيم مثل المسؤولية عن الحماية" أو محاكمة مجرمي الحرب، وهي أدوات،
رغم ضعفها الحالي إلا أنها قد تمثل "بذوراً" لنظام قادم
يحاسب القوي قبل الضعيف.
ويكمن
التحدي الكبير فيما يراه المحللون الواقعيون الذين يحذرون من أن "الحق الذي
لا تسنده قوة.. ضائع". لذا، فإن إعادة تنظيم القيم لمسار التاريخ تتطلب :
1. بناء
تكتلات دولية جديدة تؤمن بهذه القيم وتملك وزناً اقتصادياً كافياً لفرض
عقوبات مضادة مثلما يحدث مع دول البريكس وكذلك المحاولات المتكررة لإنشاء تحالفات
إقليمية جديدة خاصة في مناطق الصراع مثل الشرق الأوسط .
2. إصلاح
جذري للمنظمات الدولية: إنهاء احتكار القوة في مجلس الأمن، وهو أمر لن يحدث
إلا بضغط جماعي من دول الجنوب والشرق.
هل
نحن في "عصور مظلمة" جديدة؟
يصف
البعض المرحلة الحالية بأنها "فترة انكسار" في المنحنى الحضاري العالمي
فالتاريخ لا يسير في خط مستقيم نحو الأفضل، بل يمر بتعرجات فإن فرض الأمر الواقع
بالقوة قد يسود لعقد أو عقدين لكنه تاريخياً يولد مقاومة شرسة تؤدي في النهاية إلى
صياغة "عقد اجتماعي عالمي" جديد، تماماً كما حدث بعد أهوال الحرب
العالمية الثانية. فإن القيم الإنسانية لا تعدل المسار تلقائياً بل تحتاج إلى
"إرادة سياسية" جماعية وشعوب واعية ترفض الانصياع لمنطق القوة.