الأربعاء، 4 مارس 2026

قضية طابا والتحكيم الدولي

 

قضية طابا والتحكيم الدولي

 

عندما يذكر تاريخ تحرير طابا وعودتها للسيادة المصرية لابد وأن يذكر الدكتور مفيد شهاب الدين كواحد من أهم أعضاء اللجنة المصرية التي ترافعت عن تاريخ طابا ومصريتها وتمكنت بفضل علماؤها ومهندسوها من الانتصار لهذه البقعة الغالية من أرض الوطن ، هذا وتُعد قضية طابا (1986-1988) ملحمة دبلوماسية وقانونية مصرية كبرى حيث تشكلت "اللجنة القومية العليا لطابا" من نخبة من كبار القانونيين والجغرافيين والعسكريين والدبلوماسيين.

ومن أبرز أعضاء الفريق القانوني والدبلوماسي المصري أمام هيئة التحكيم الدولية في جنيف كان :

الدكتور نبيل العربي (رئيس الوفد المصري ووكيل الحكومة المصرية أمام المحكمة).والدكتور وحيد رأفت (نائب رئيس حزب الوفد وأحد كبار فقهاء القانون الدولي) والدكتور مفيد شهاب (رئيس قسم القانون الدولي بجامعة القاهرة آنذاك وأحد المحركين الرئيسيين للملف القانوني) والدكتور أحمد صادق القشيري (خبير قانوني دولي) والدكتور جورج أبي صعب: (أستاذ القانون الدولي بجامعة جنيف) والدكتور صلاح عامر (أستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة) والدكتور طلعت الغنيمي (أستاذ القانون الدولي بجامعة الإسكندرية) والدكتور محمد فتحي نجيب (الذي أصبح لاحقاً رئيس المحكمة الدستورية العليا) والمستشار أمين المهدي (رئيس مجلس الدولة الأسبق)

وقد مثل مصر يومها في هيئة التحكيم الدولية (المحكم المصري) الدكتور حامد سلطان الذي كان هو العضو المصري الوحيد داخل "هيئة التحكيم" الخماسية التي أصدرت الحكم ويُلقب بـ "شيخ القانونيين الدوليين".

وقد شارك أيضا عدد من الخبراء الفنيون والجغرافيون والتاريخيون منهم : د. يونان لبيب رزق: (المؤرخ الشهير الذي تولى الجانب التاريخي). ود. يوسف أبو الحجاج (أستاذ الجغرافيا الذي قدم الخرائط الثبوتية). واللواء محسن حمدي (رئيس الجانب المصري في اللجنة العسكرية المشتركة) واللواء عبد الفتاح محسن (رئيس هيئة المساحة العسكرية الأسبق)

وكان يعاون كل هؤلاء طاقما دبلوماسيا شمل الفريق عدداً من السفراء والدبلوماسيين بوزارة الخارجية، منهم  السفير مهاب مقبل والسفير أحمد أبو الخير والسفير وجيه حنفي والسفير محمود سمير سامي.

وبعد معركة قانونية مضنية صدر الحكم التاريخي في 29 سبتمبر 1988 لصالح مصر بأحقيتها في كافة نقاط الخلاف (العلامة 91)، وتم رفع العلم المصري على طابا في 19 مارس 1989.

ومن الكواليس التي جعلت هذا الفريق ينجح في استعادة "آخر حبة رمل". يجب التركيزعلى "مشارطة التحكيم" (الجزء الفني القانوني) ودور د. نبيل العربي و د. يونان لبيب رزق تحديداً:

أولاً: ذكاء "مشارطة التحكيم" فقد كانت هذه الوثيقة هي حجر الزاوية حيث أصر الفريق القانوني المصري (بقيادة د. نبيل العربي) على صياغة سؤال محدد جداً لهيئة التحكيم وهو:

"أين يقع مكان علامات الحدود الدولية المعترف بها بين مصر وفلسطين تحت الانتداب؟"

وقد كان هذا السؤال ذكياً؟ حيث أجبر المحكمة على اختيار مكان واحد من اثنين (إما الموقع الذي تقوله مصر أو الذي تقوله إسرائيل)، ولم يسمح للمحكمة بابتكار "حل وسط" أو تقسيم المنطقة.

هذا وقد تم ربط الحدود بفترة الانتداب (1922-1948)، وهي الفترة التي كانت فيها الخرائط والوثائق البريطانية تؤيد الموقف المصري تماماً. ومن ثم جاءت معركة "العلامة 91" ودور د. يونان لبيب رزق حيث كانت إسرائيل تدعي أن العلامة 91 (المطلة على خليج العقبة) تقع في وادٍ منخفض، بينما أصرت مصر أنها فوق جبل. وكان الدور التاريخي للدكتور يونان لبيب رزق حيث تمكن من استخراج وثائق من الأرشيف البريطاني تعود لعام 1906 (اتفاقية الحدود بين الدولة العثمانية ومصر). وكانت المفاجأة عندما وجد الفريق المصري صوراً قديمة التقطها ضباط بريطانيون لعلامات الحدود تظهر فيها بوضوح بقايا "أعمدة بناء" فوق الجبل، مما دحض الرواية الإسرائيلية بأن العلامة كانت في الوادي.

وجدير بالذكر أن د. نبيل العربي ( نموذج الدبلوماسية الهادئة) هو "المايسترو". تميزت إدارته بالآتي:

  • التنسيق بين التخصصات : فقد نجح العربي في جعل  رجل القانون يفهم لغة الخرائط من الجغرافي، ولغة التحركات العسكرية من اللواء محسن حمدي. وكان اختيار المحكمين الدوليين دوراً كبيرا في اختيار محكمين دوليين محايدين (من فرنسا، سويسرا، والنيوزيلندي الذي ترأس اللجنة)، لضمان عدم انحياز الهيئة.

وقد تم تشكيل هيئة التحكيم الخماسية التي أصدرت الحكم من د. حامد سلطان (مصري) وروث لابيدوث (إسرائيلية - وهي الوحيدة التي عارضت الحكم) وثلاثة قضاة دوليين محايدين (من سويسرا وفرنسا ونيوزيلندا)

عندما صدر الحكم بنتيجة (4 ضد 1) لصالح مصر كان ذلك انتصاراً ساحقاً لأن القضاة المحايدين الثلاثة انضموا بالكامل للموقف المصري.

ومن أذكى وأغرب فصول قضية طابا التي توضح كيف أن "الدهاء الميداني" لا يقل أهمية عن "الدهاء القانوني". حيث حاول الجانب الإسرائيلي إقناع هيئة التحكيم الدولية بأن موقع العلامة 91 (النقطة الحدودية الأخيرة المطلة على خليج العقبة) تقع في منطقة منخفضة قريبة من الشاطئ، وليس فوق جبل "المنطقة المرتقعة" كما كانت تؤكد مصر.

في أثناء المعاينة الميدانية التي قامت بها هيئة التحكيم الدولية لموقع طابا حاول الفنيون الإسرائيليون إيهام المحكمة بوجود بقايا قديمة لعلامة حدودية في الوادي فقاموا بوضع "كتل أسمنتية" في منخفض أرضي وتعمدوا صبها وتغطيتها بالأتربة لتبدو وكأنها تآكلت بفعل الزمن منذ عام 1906. وقد نجح المصريون في كشف حيلتهم حيث كان اللواء محسن حمدي (الذي كان يتمتع بخبرة ميدانية هائلة) لاحظ أن نوع الأسمنت والركام المستخدم حديث ولا يتفق مع التكنولوجيا التي كانت مستخدمة في أوائل القرن العشرين كما أثبت الخبراء المصريون أن السيول في هذه المنطقة كانت لتمحو أي أثر لعلامة في الوادي بينما العلامات الحقيقية توضع دائماً فوق القمم لتكون مرئية ؛

وقد حاول الجانب الإسرائيلي تقديم خرائط بأسماء جغرافية معدلة لبعض الوديان والتلال المحيطة بطابا ليظهر أن الوصف الوارد في اتفاقية 1906 ينطبق على الموقع الذي يختارونه هم ولكن نجح الرد المصري بقيادة الدكتور يوسف أبو الحجاج (الجغرافي الفذ)  في مواجهتهم بخرائط أصلية من الأرشيف البريطاني وأرشيف "دير سانت كاترين" تعود لقرون مضت، تثبت أن الأسماء الجغرافية للمواقع (مثل وادي طابا وجبل المرة) ثابتة تاريخياً ولا تتفق مع الادعاء الإسرائيلي ، وكانت مصر تصر على أن العلامة 91 تقع فوق هضبة مرتفعة. وعندما ذهبت اللجنة للمعاينة لم يجدوا "العمود" الحديدي (لأنه أُزيل عمداً). وبفضل دقة اللواء عبد الفتاح محسن ورجال المساحة العسكرية  استطاعوا تحديد مكان "القاعدة الحجرية" الأصلية للعمود تحت طبقات من الرمال فوق الجبل. وعندما تم الحفر وتدقيق النظر، وُجدت بقايا "خشبية" وحديدية تعود فعلياً لفترة الانتداب البريطاني، وهو ما طابق الصور الفوتوغرافية القديمة التي قدمها الدكتور يونان لبيب رزق.

وقد فشل هذا "الخداع البصري" الميداني  مما جعل هيئة التحكيم الدولية تفقد الثقة في الرواية الفنية الإسرائيلية. وفي حكمها النهائي ذكرت المحكمة صراحة أنها تعتمد الموقع المصري بناءً على:

1.     الواقع الميداني (بقايا القاعدة فوق الجبل).

2.     المنطق الجغرافي (استحالة وضع علامة حدودية في ممر سيل).

وبعد صدور الحكم، رفضت إسرائيل في البداية تسليم "فندق سونستا طابا" وقرية رافي نيلسون السياحية اللذين كانا يقعان في المنطقة المستردة، مما أدى لمفاوضات تكميلية شاقة انتهت بشرائهما وتعويض الجانب الإسرائيلي عنهما لتعود السيادة المصرية كاملة.

لقد تحولت قضية طابا من مجرد "نزاع حدودي" إلى مرجع قانوني دُولي يُدرّس في أكبر الجامعات، وذلك بسبب المبادئ الصارمة والدقيقة التي رسخها الفريق المصري.