الأربعاء، 16 مارس 2016

البخيل ... أحمد عبد الجليل


البخيل ... أحمد عبد الجليل




لم أتمكن من مشاهدة عرض مسرحي كاملا منذ عشر سنوات سوي الليلة الماضية بعد ما استجبت لدعوة من صديقي ناصر البشوتي فنان المسرح الدمياطي القديم ومدرس الرياضيات الحديثة في مدارس اللغات بدمياط وقد استمتعت بالفعل بعرض مسرحي جماهيري ملتزم بأطر الثقافة الجماهيرية المسرحية المعروفة وغير المعلنة منذ منتصف السبعينيات وحتي اليوم . فالعرض قد حقق رؤية فنية سهلة التناول بمفردات المسرح الجماهيري البسيطة حيث بلغت ميزانية الإنتاج فنيا خمسة آلاف جنيه فقط كما يقول مدير الفرقة  الزميل محمد وفيق وبرغم تقتير إقليم شرق الدلتا الثقافي ماليا علي فرع ثقافة دمياط في كافة الأنشطة لأسباب سيكلوجية لا تحتاج إلي تمحيص نرجو أن تنزاح عما قريب بعد أن عاني الفرع سنوات قحط ثقافي ومالي لسنوات طويلة .
أعود إلي البخيل كما رآه أحمد عبد الجليل المخرج المسرحي القدير وكما قدمه علي خشبة مسرح قصر ثقافة دمياط بفريق متجانس من أعمدة المسرح الدمياطي القديمة المحنكة ومن شباب المسرحيين الدمايطة الذين أمتعونا بمواهب واعدة علي خشبة المسرح سنجد بخيلا من نوع دمياطي فريد يقتر علي من حوله ويقدس المال تقديسا وراثيا ويكتنزه ويحرم منه أهله وذويه ويعيش عمره خائفا مرتعدا أن يضيع منه ذلك المال وما شاهدناه في العرض يقدم بالفعل رؤية معاصرة لحال البخلاء باللغة العامية المصرية إلا أن معد النص الدكتور مصطفي سليم قد ذهب مذهبا غريبا فقد قام بتعريب لغة النص الذى كتبه موليير المؤلف الفرنسي الشهير وأعاد صياغته بالعامية المصرية إلا أنه قد سقط سقطة مدوية بأن عرب ومصر كل الأحداث إلا أنه ولا أعرف لماذا قد احتفظ بالأسماء الفرنسة لأبطال العرض المسرحي فخلق من البداية شرخا نفسيا وفنيا طوال العرض الذى امتد لساعة ونصف تقريبا وأعتقد أن مصطفي سليم لو كان قد أكمل تمصير الأسماء وعدل بعض الشيء في صياغة الأحداث لكان قد حقق حميمية أكثر للمشاهد لكي يعيش بالكامل في أجواء البيئة المحلية التي يحياها
وبخيل أحمد عبد الجليل بخيل من نوع فريد ولكننا نراه في مجتمعنا ونكاد نلمس شخوصه في مجتمعنا الأثير فهو ذلك الرجل الذى جسده البارع ناصر البشوتي باقتدار الذى يحب المال ويكتنزه ويسعي دائما لتنميته بمختلف الوسائل الشرعية وما غيرها وفي نفس الوقت شديد  البخل في تعامله مع ابنه وابنته بعد رحيل زوجته فيسعي إلي زيادة ثرواته بالزواج من فتاة صغيرة طمعا في ثروتها ولكنه يصطم بطبيعة بشرية مختلفة من حوله فالابن المتمرد علي أبيه رغم فشله في حياته فهو ذلك الشاب الماجن المقامر السكير الذى جسده باقتدار أيضا شاب مسرحي دمياطي لم أسعد بمشاهدته علي خشبة المسرح من قبل كان علي علاقة بتلك الفتاة التي من جيله والتي طمع فيها الأب ليس حبا فيها ولكن طمعا في ثروتها ، وكذلك يصطدم الأب بخوفه علي ابنته ولكنه أيضا لا يمانع في بيعها وهي الشابة الصغيرة لزوج مسن كثير الثراء والذى جسده الفنان القدير رأفت سرحان الذى ملأ المسرح باقتدار في نهاية العرض من خلال دور الثري العجوز الذى جسده لدقائق قليلة ولكنه أنسانا بموهبته غيابه طوال مدة العرض لصغر حجم هذا الدور ولأن المخرج المثقف أحمد عبد الجليل صاحب خبرة في العمل المسرحي بدمياط فقد نجح ببراعة في اجتذاب بعض العناصر الاجتماعية المؤثرة في المجتمع الدمياطي والتي نجحت في جذب بعض الرعاة لأول مرة لرعاية العرض المسرحي ولكن بطريقة مبتدئة وقاصرة وإن كانت تعتبر بادرة مهمة يمكن أن تتطور للأحسن في المستقبل ورغم أن الرعاة هنا كان لهم دور كبير في جذب الجماهير لصالة المسرح بعد غيبة طويلة بشكل مؤثر إلا أنهم قد أفسدوا المتعة الفنية من العرض بذلك الديكور شديد الثراء والغني بما يتناقض مع طبيعة وفكرة المسرحية فهو بيت رجل مبذر ينفق علي تأثيث قصره بصالونات مذهبة وإن كانت ذات طابع فرنسي تاريخي من مفردات غير متجانسة علي خشبة المسرح تنم عن ثراء فاحش غير متناغم فصنع الديكور بتلك المفردات انفصالا عضويا بين العرض المسرحي البخيل وبين المتلقي الذي ربما لم يلحظ تلك الهوة الفنية كثيرا لأن البخلاء من هذا النوع كثيرون من حولنا وهو ما يكثف ما يشاع عن الدمايطة من بخل تاريخي لا نستطيع الفكاك منه إلا أن هؤلاء البخلاء لا يقترون علي بيوتهم إنما التقتير المشهور عنهم هو في تعاملهم مع الآخرين
والبخيل عند أحمد عبد الجليل وهو المخرج القدير صاحب الخبرة الطويلة الملتزمة بثقافة الجماهير يؤخذ عليه السماح لممثليه بشكل متكرر بإضحاك الجماهير ببعض الأساليب التجارية المبتذلة لدي مسرح القطاع الخاص التي تضحك المشاهد بالمبتذل الرخيص من الكلمات والحركات فقد عاب بطلنا البارع ناصر البشوتي تقليده في بعض المشاهد للمثل المعروف بألمبي ( محمد سعد ) وابنه في العرض المسرحي الذى نحي كثيرا لأداء الممثل القديم البارع يوسف وهبي هل لأنه معجب به أم يريد إضحاك الناس علي أدائه وهو نفس ما فعله ممثلون آخرون أبرزهم السيد فاروق الممثل الفارسكوري المخضرم الذى ملأ المسرح حيوية في دوره رغم قصره فصنع منه بطلا كوميديا غير مكتشف حتي الآن

ومن عناصر العرض المسرحي الجميل لبخيل أحمد عبد الجليل تلك الأشعار المعبرة القوية لسمير الفيل والتي جسدها المبدع دوما توفيق فوده بألحانه الرائعة التي صنعت جوا مبهجا لذلك العرض والأداء الصوتي البسيط فنيا والمعبر بقوة من شخوص الممثلين أنفسهم فلم نلحظ انفصالا بين الغناء وبين التشخيص علي خشبة المسرح وإن كان يعيب الموسيقي في نظري ذلك التوزيع الموسيقي المنفصل بأدواته عن خشبة المسرح فلم أسمع في الموسيقي الموزعة صوت الماندولين الذى دخل به أحد الممثلين في بداية العرض كما لم نسمع صوت الجيتار الذى دخل به الفنان رأفت سرحان إلي خشبة المسرح بل استمعنا إلي موسيقي ألكترونية معاصرة  وقبل أن أصل ختام تلك الملاحظات النقدية السريعة فأسجل مأزقا طالما وقع فيه كثير من مخرجو الثقافة الجماهيرية وهو أنهم من فرط طول مدة البروفات يصل بهم الملل والرغبة في إنهاء العمل في وقت سريع بعد أن تصلهم ميزانية الإنتاج التي عادة ما تأخذ وقتا مبالغا فيه يؤدي إلي طول فترة البروفات لتصل في هذا العرض إلي قرابة الثلاثة شهور وبعد وصول الميزانية يلجأ المخرج الي التعجل في وضع نهاية العرض والتي عادة ما ترجأ لليوم الأخير في البروفات فجاءت النهاية سريعة ومرتبكة ، وأخيرا تبقي ملاحظة سريعة حول الإدارة المسرحية وإدارة ا لفرع التي غابت عن استغلال رغبة الرعاة العفوية في دعم العرض المسرحي فلم نر دعاية ولو معقولة لهذا الجهد الكبير ولم نر بامفلت يقدم عناصر العرض للجمهور الذى يتعامل مع العرض لأول وهلة فغابت أسماء كثير من الفنانين الذين يستحقون الإشادة والمؤازرة مع تمنيات مستمرة للثقافة في دمياط بالتوفيق والاستمرار فهما أهم عناصر النجاح 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق