في المسرح
المصري المعاصر
تراجع النص
لصالح الرؤية الإخراجية
هل هي سطوة
المخرج؟
نعم، هناك شعور حقيقي بتراجع النص "الأدبي" في كثير
من التجارب المعاصرة لصالح ما يُعرف بـ "سينوغرافيا العرض" أو "مسرح المخرج
". المخرج لم يعد مجرد وسيط ينقل نص المؤلف إلى الخشبة بل أصبح
"المؤلف الثاني" أو المؤلف الفعلي للعرض. في بعض الأحيان، يتم التعامل
مع النص كـ "مادة خام" أو مجرد ذريعة لإطلاق رؤية بصرية صاخبة، مما جعل
النص يتراجع خطوة إلى الوراء ليترك الصدارة للمؤثرات، الإضاءة، الحركة، والمؤثرات
الصوتية.
وبسبب طغيان الصورة السينمائية
والتلفزيونية على مخيلة الكتاب الجدد أصبحنا نرى نصوصاً مسرحية تُكتب بروح
"السيناريو" تجد تقطيعاً مشهدياً سريعاً واعتماداً مكثفاً على
"الفلاش باك"، وتنقلاً سريعاً بين الأمكنة يصعب تحقيقه على الخشبة إلا
بحلول سينوغرافية معقدة والكاتب المعاصر أحياناً ينسى "جماليات الثبات"
والعمق الحواري للمسرح، بمعني سقوط أعمدة المسرح الأرسطي المعروفة وحدة الزمان
ووحدة المكان وأصبح الكاتب يكتب بعين الكاميرا التي تبحث عن اللقطة السريعة
والمونتاج مما يفقد المسرح خصوصيته الحميمية القائمة على المواجهة المباشرة.
ولنا أن نتساءل هل يمكن أن ينجح النص الجيد في المسرح بدون
كلام ؟ نعم، بالتأكيد.
المسرح
ليس مجرد كلام. هناك تاريخ طويل من "المسرح الصامت" (البانتومايم)،
ومسرح الجسد، والرقص المسرحي (الكيروجرافيا) الذي استطاع تقديم أطروحات فكرية
وفلسفية شديدة العمق دون نطق كلمة واحدة.
والمعيار هنا ليس وجود الحوار من عدمه، بل وجود
"الدراما" و"الصراع".
إذا
استطاعت الصورة والحركة والجسد خلق صراع درامي يهز المشاهد، فإن العرض ينجح ويكون
قوياً وعميقاً بامتياز.
ومع هذا تكمن
خطورة تحول المسرح إلى “فرجة بصرية”
فقط في "تسطيح الوعي" وتحويل المسرح إلى مجرد "سيرك
ممتع" أو استعراض مبهر يداعب العين وينتهي أثره بمجرد خروج المتفرج من قاعة
العرض. حين يفرغ المسرح من القيمة الفكرية والأدبية، يفقد قدرته على التطهير
والتحريض العقلي، ويتحول إلى منتج استهلاكي (Entertainment) يفتقد الروح. الفرجة البصرية مطلوبة،
لكنها إن لم تكن خادمة لفكرة أو دلالة، تصبح مجرد "بهرجة مجانية". وقد حدث ذلك كثيرا
فيما يسمي بالدراما الحركية التي تحولت إلي حركات وإيقاعات متشنجة تميل إلي الحركة
العنيفة في أغلب الأحيان تقليدا مسطحا لبعض التجارب الغربية
وبرغم كل شيء يبقي للحوار المسرحي
سحره وتأثيره؟ فما زال، وسيبقى. السحر يحدث عندما تنطلق الكلمة لتخترق الصمت في
الصالة عندما يصاغ الموقف بجملة حوارية مكثفة تشبه الطلقة وتكمن قوة الحوار
المسرحي في أنه ليس كلاماً عادياً، بل هو "فعل" (Speech Act). المتفرج ما زال يذهب للمسرح لينصت إلى
اعترافات الذات الإنسانية إلى المونولوجات الفلسفية التي تشبه مرايا الروح الكلمة
على المسرح تحمل طاقة حية لا يمكن للصورة الثابتة أو المتحركة أن تعوضها.
وليس من المتصور أن ننتظر أيهما ينتصر
في النهاية الكلمة أم الصورة؟
فالمسرح الحقيقي لا ينبغي فيه لأحدهما أن ينتصر بإلغاء الآخر
لأن الانتصار الحقيقي هو في "الاندماج العضوي" بينهما. فإذا انتصرت الكلمة بشكل مطلق تحول المسرح
إلى "راديو" أو قراءة شعرية ممتعة ولكنها تفتقد للحياة والحركة
، وإذا انتصرت الصورة بشكل مطلق، تحول
المسرح إلى "شاشة سينما حية" أو لوحة صامتة بلا روح قد تفقد عمقها
الإنساني والفكري.
الخلاصة هي أن المسرح يمر بمرحلة إعادة تعريف لنفسه؛ والنص
المسرحي لم يمت، بل هو مطالب اليوم بأن يجدد أدواته ليتعايش مع ثورة الصورة ليكون
نصاً يمتلك شعريته وعمقه، وفي نفس الوقت يترك مساحة "للتنفس البصري" على
الخشبة. والقضية التي تحتاج
إلي حوار أكثر هو لماذا تراجع كتاب الدراما وبخاصة في المسرح ونضب معين كتاب المسرح
أو يكاد في الساحة الأدبية المصرية خاصة مع الاتجاه إلي الكسب السريع بالكتابة للمسلسلات
والأفلام علي حساب المسرح
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق